كان البعد الإسكاتولوجي للكنيسة محور تعليم قداسة البابا لاوُن الرابع عشر يوم الأربعاء خلال مقابلته العامة مع المؤمنين وذلك انطلاقا من الوثيقة المجمعية الدستور العقائدي في الكنيسة “نور الأمم”.
أجرى قداسة البابا لاوُن الرابع عشر صباح يوم الأربعاء مقابلته العامة مع المؤمنين وذلك في ساحة القديس بطرس، وواصل تعليمه حول الوثيقة المجمعية الدستور العقائدي في الكنيسة “نور الأمم”. وتوقف الأب الأقدس اليوم عند الفصل السابع من الوثيقة للتأمل في إحدى الصفات المميزة للكنيسة أي بُعدها الإسكاتولوجي. وقال البابا إن الكنيسة تسير في هذا التاريخ الأرضي نحو الغاية النهائية أي الوطن السماوي، وأضاف قداسته أن هذا بعد أساسي إلا أننا غالبا ما نهمله أو نقلصه لكوننا نركز بشكل كبير على ما هو مرئي بشكل فوري وعلى الديناميات الملموسة لحياة الجماعة المسيحية.
وواصل الأب الأقدس أن الكنيسة هي شعب الله السائر في التاريخ وغاية عملها كله هو ملكوت الله (نور الأمم 9). وقال البابا إن يسوع قد منح البداية للكنيسة بإعلانه ملكوت المحبة والعدالة والسلام، وهكذا فنحن مدعوون إلى أن نأخذ بعين الاعتبار البعد الجماعي والشامل للخلاص في المسيح وإلى أن نوجه أنظارنا إلى هذا الأفق النهائي كي نقيس كل شيء ونُقَيمه بهذا المنظور.
تحدث البابا لاوُن الرابع عشر بعد ذلك عن أن الكنيسة تعيش في التاريخ في خدمة مجيء ملكوت الله في العالم، وتعلن للجميع ودائما كلمات هذا الوعد وتحصل على عربون له في الاحتفال بالإسرار وخاصة الإفخارستيا، وتُطبِّق وتختبر منطقه في علاقات المحبة والخدمة. وتَعترف الكنيسة من جهة أخرى حسبما واصل قداسة البابا بكونها مكانا ووسيلة تتحقق فيهما العلاقة مع المسيح بشكل أكثر التصاقا (48) وهي تدرك في الوقت ذاته أن الخلاص يمكن أن يهبه الله بالروح القدس حتى خارج حدودها المرئية.
وفي هذا السياق يؤكد الدستور العقائدي “نور الأمم” أمرا هاما، أي أن الكنيسة هي سر الخلاص الشامل (48)، أي علامة وأداة لملء الحياة والسلام الذي وعد به الله. ويعني هذا ان الكنيسة لا تتماهى بالكامل مع ملكوت الله بل هي بذرته وبدايته لأن الكمال سيوهب للبشرية والكون في النهاية فقط. وتابع البابا ان المؤمنين بالمسيح يسيرون بالتالي في هذا التاريخ الأرضي، الذي يطبعه الخير ولكن أيضا الظلم والمعاناة، بدون أن ينخدعوا أو ييأسوا، فهم يعيشون يوجههم الوعد الذي تلقوه ممن يجعل كل شيء جديدا (رؤيا 21، 5). وهكذا فإن الكنيسة تحقق رسالتها بين بداية ملكوت الله في المسيح، التي حدثت بالفعل، والكمال الموعود والمنتظَر الذي لم يتحقق بعد، قال البابا لاوُن الرابع عشر وأضاف أن الكنيسة مكلفة من جهة أخرى برسالة قول كلمات واضحة لرفض كل ما يهين الحياة ويمنع تطورها، وباتخاذ موقف لصالح الفقراء والمستغَلين، ضحايا العنف والحرب، وجميع من يعانون في الجسد وفي الروح.
وواصل قداسة البابا أن الكنيسة كعلامة وسر الملكوت هي شعب الله الحاج في الأرض وهي تقرأ وتفسر انطلاقا من الوعد النهائي على أساس الإنجيل ديناميات التاريخ، مدينة الشر في كل أشكاله ومعلنة بالكلمات والأعمال الخلاص الذي يريد المسيح تحقيقه للبشرية كلها وملكوته، ملكوت العدالة والمحبة والسلام. الكنيسة لا تعلن إذن ذاتها بل يجب أن يعود كل شيء فيها إلى الخلاص في المسيح، قال البابا لاوُن الرابع عشر وأضاف أن الكنيسة مدعوة من وجهة النظر هذه إلى الاعتراف بتواضع بالضعف والخور البشريَّين لمؤسساتها والتي ورغم كونها في خدمة ملكوت الله تحمل الوجه الزائل لهذا العالم (48). وشدد الأب الأقدس على أنه لا يمكن منح الطابع المطلق لأية مؤسسة كنسية، فما دامت هذه المؤسسات تعيش في التاريخ والزمن فهي مدعوة إلى ارتداد مستمر وتَجدد في الأشكال، وإلى إصلاح البنى وتجديد العلاقات كي تتلاءم بالفعل مع رسالتها.
وفي أفق ملكوت الله يجب أيضا فهم العلاقة بين المسيحيين الذين يقومون اليوم بخدمتهم ومَن اختتموا الحياة الأرضية وأصبحوا في حالة تطهر، واصل الأب الأقدس وأضاف أن الدستور العقائدي “نور الأمم” يؤكد أن جميع المسيحيين يشكلون كنيسة واحدة وأن هناك شركة وتشاركا في الخيور الروحية يقوم على وحدة المسيحيين جميعا مع المسيح، عناية أخوية بين الكنيسة الأرضية والكنيسة السماوية. وتحدث البابا هنا عن شركة القديسين التي تُختبر في الليتورجيا بشكل خاص (٤٩-٥١)، وتابع أن الصلاة من أجل مَن رحلوا والسير على خطى مَن عاشوا كتلاميذ يسوع يدعماننا نحن أيضا في مسيرة تعزيز التعبد لله يطبعنا الروح القدس ذاته ومتحدين في الليتورجيا الواحدة مع من سبقونا في الإيمان ممجدين الثالوث الأقدس.
وفي ختام تعليمه أكد البابا لاوُن الرابع عشر ضرورة الامتنان لآباء المجمع على لفت أنظارنا إلى هذا البعد الهام والجميل لكوننا مسيحيين، وأيضا ضرورة السعي إلى إنماء هذا البعد في حياتنا.
البابا في تعليمه الأسبوعي: الكنيسة مسؤولة عن إعلان رفض كلّ ما يُميت الحياة






