“الدّعوة مسيرة قيامة في قلب الشّهادة”، تحت هذا العنوان وجّه رئيس أساقفة أبرشيّة طرابلس المارونيّة المطران يوسف سويف رسالة راعويّة بمناسبة اليوم العالميّ الثّالث والسّتّين للصّلاة من أجل الدّعوات.
وجاء في الرّسالة:
“أحبّائي، يا أبناء الكنيسة السّائرة في دروب الشّهادة والرّجاء في اليوم المبارك، نتأمّل معًا في سرّ النّداء الإلهيّ الّذي يهمس في أعماق الكيان. نستلهم اليوم من كلمات قداسة البابا لاون الرّابع عشر، لمناسبة اليوم العالميّ الثّالث والسّتّين للصّلاة من أجل الدّعوات، رؤية نبويّة تجعل من “الدّعوة” حجر الزّاوية في بناء الشّخصيّة المسيحيّة الملتزمة.
1- لاهوت العطيّة: الدّعوة كاستجابة لمشروع الحبّ الإلهيّ
إنّ الدّعوة في جوهرها اللّاهوتيّ ليست عبئًا يُفرض، ولا هي التزام وظيفيّ تمليه الظّروف، بل هي “عطيّة مجّانيّة” يزرعها الخالق في تربة القلب البشريّ. إنّها مشروع سعادة صاغته العناية الإلهيّة ليزهر بالصّلاة ويؤتي ثمارًا بالانفتاح على النّعمة. إنّ السّير خلف المسيح، الرّاعي الصّالح، هو عبور من ضيق الأنانيّة إلى رحابة الخدمة، وهو طريق جمال داخليّ يضيء في الّذين يدركون أنّ وجودهم في هذا العالم هو “رسالة” وليس مجرّد “صدفة”، ليكونوا شهودًا على كرامة الإنسان وقداسته.
2- مدرسة الإصغاء: الحياة الدّاخليّة كفضاء للتّمييز الرّوحيّ
في عالم تملؤه الضّوضاء وتتصارع فيه الإرادات، يبرز “الإصغاء” كفعل إيمانيّ ضروريّ لاكتشاف إرادة الله. يوجّه قداسته نداءً حارًّا للشّباب ليجعلوا من “السّجود للقربان الأقدس” والتّأمّل في “الكلمة” منصّات حقيقيّة للحوار مع الرّبّ. إنّ التّربية الحقيقيّة تبدأ من الدّاخل، من الصّمت الّذي يسبق الكلام، ومن الصّلاة الّتي تسبق الفعل. فالمعرفة الشّخصيّة ليسوع المسيح هي المحرّك الأساسيّ الّذي يدفع الشّابّ والصّبيّة لاختيار مسارهم بجرأة، سواء في سرّ الزّواج المقدّس أو في تكريس الذّات للخدمة الكهنوتيّة والرّهبانيّة، كعطايا تغني جسد الكنيسة.
3-صمود الكرمة: ديناميكيّة النّموّ والمرافقة في زمن التّحدّيات
إنّ الدّعوة، شأنها شأن الكرمة، تنضج عبر علاقة حيّة وثابتة بالأصل الّذي هو المسيح. هي ليست لحظة عاطفيّة عابرة، بل مسيرة ديناميكيّة تتطلّب الثّقة الدّائمة بعناية الله وسط عواصف الحياة. نقتدي في هذا الثّبات بالقدّيس يوسف، الّذي سلّم حياته لمشيئة الله بروح الصّمود والرّجاء، معلّمًا إيّانا أنّ التّمييز الرّوحيّ والمرافقة الصّالحة هما السّند الحقيقيّ لكلّ دعوة ناشئة. إنّ صمودنا في دعوتنا هو علامة إيمان في وطن يحتاج إلى شهود يغرسون الرّجاء في أرضه، ويؤكّدون أنّ التّمسّك بالقيم الإلهيّة هو السّبيل لإعادة بناء المجتمع واستعادة معناه.
4- الحاضنة الجماعيّة: العائلة والرّعيّة كبيئات ملائمة لنضج النّداء
إنّ مسؤوليّتنا التّربويّة والرّوحيّة تفرض علينا تهيئة مساحات في عائلاتنا ورعايانا تليق بقبول عطيّة الله ومرافقتها. لا يمكن للدّعوات أن تزهر ما لم تكن هناك بيئات مستضيئة بإيمان حيّ وصلاة دائمة وتضامن أخويّ. نحن مدعوّون لتنشئة أجيال لا تحمل العلم فقط، بل تحمل القدرة على الإصغاء للرّوح القدس. إنّ استعادة روح “الشّركة” في جماعاتنا هي الّتي تمنح الشّباب الجرأة لتحقيق مشيئة الله، فتصير دعواتهم طرقًا للخلاص وسعادة تفوق الوصف، تخدم الكنيسة في لبنان وتشعّ نورًا في العالم أجمع.
5- ثمر الدّعوات: شكر على العطايا المتجدّدة في الأبرشيّة
نشكر الله على نعمة الدّعوات المستمرّة الّتي يفيض بها الرّوح القدس في الكنيسة الجامعة وفي أبرشيّتنا، كعلامة حياة ورجاء. وننوّه بنشاط لجنة الدّعوات الّتي تعمل بجدّ لتوفير مناخات روحيّة وإنسانيّة في الأبرشيّة، ففتحت أمام الشّباب والبالغين آفاقًا جديدة للتّمييز والاستجابة لنداء الرّبّ. كما نشكر الله على الدّعوات نحو الحياة المكرّسة، الّتي تغني جسد الكنيسة بخدمة الطّاعة والعفّة والفقر الإنجيليّ، وعلى الدّعوات العلمانيّة والملتزمين والملتزمات في الجماعات المسيحيّة، الّذين يشكّلون حضورًا حيًّا للشّهادة في قلب العالم.
وأدعو كلّ من يشعر في قلبه أنّ الرّبّ يدعوه، للتّواصل مع لجنة الدّعوات في الأبرشيّة، ليجد الدّعم والمرافقة في مسيرة التّمييز والنّموّ الرّوحيّ.
تحت شفاعة الأمّ السّاهرة، مريم العذراء، سلطانة الرّسل وأمّ الكنيسة نضع مسيرتنا الإيمانيّة وتطلّعاتنا الأبرشيّة، الأمّ الّتي سهرت على دعوة ابنها وتبنّت كلّ الدّعوات من تحت أقدام الصّليب. ليعطنا الرّوح القدس جرأة التّمييز وقوّة الثّبات، لنظلّ أوفياء لرسالتنا، متمسّكين بالحقّ، وعاملين على تحقيق مشيئة الله في حياتنا ومجتمعنا.
آمین.”
سويف: الدّعوة مسيرة قيامة في قلب الشّهادة






