“كما تذكرنا الإفخارستيا بأننا جسد واحد وروح واحد، متحدون بالرب الواحد، يمكننا ونريد أيضاً أن نبني وطنًا تتلاشى فيه للأبد الانقسامات القديمة، ويختفي فيه الحقد والعنف، وتُشفى فيه جراح الفساد من خلال ثقافة جديدة من العدالة والمشاركة. هكذا فقط سيكون ممكنًا بناء مستقبل من الرجاء” هذا ما قاله قداسة البابا لاوُن الرابع عشر في عظته مترئسًا القداس الإلهي في سهل كيلامبا
في إطار زيارته الرسولية إلى أنغولا، ترأس قداسة البابا لاوُن الرابع عشر صباح الأحد، القداس الإلهي في سهل كيلامبا وللمناسبة ألقى الأب الأقدس عظة قال فيها بقلب يملؤه الامتنان، أحتفل معكم بسر الإفخارستيا. أشكر الله على هذه العطية، وأشكركم على حفاوة استقبالكم وفرحكم! في هذا الأحد الثالث للفصح، خاطبنا الرب من خلال إنجيل تلميذي عماوس. لنسمح لكلمة الحياة هذه أن تنيرنا.
تابع الاب الأقدس يقول انطلق تلميذان من تلاميذ الرب، بقلبين جريحين وحزينين، من أورشليم ليعودا إلى قريتهما عماوس. لقد عاينا موت يسوع، ذاك الذي وضعا فيه ثقتهما وتبعاه، وها هما الآن يعودان إلى ديارهما يجرّان أذيال الخيبة والهزيمة. وفي طريقهما “كانا يَتحدَّثانِ بِجَميعِ هذِه الأُمورِ الَّتي جَرَت”. كانا يشعران بحاجة ماسة للحديث، ليروي أحدهما للآخر ما جرى، ويتقاسما ما عاشاه، لكنهما كانا يخاطران بالبقاء سجينين للألم، ومنغلقين أمام الرجاء. أيها الإخوة والأخوات، في هذا المشهد الافتتاحي للإنجيل، أرى انعكاساً لتاريخ أنغولا؛ هذا البلد الجميل والجريح، الذي يتوق ويعطش للرجاء والسلام والأخوّة. إن حديث التلميذين في الطريق، وهما يسترجعان بأسى ما حدث لمعلمهما، يعيد إلى الذاكرة الأوجاع التي طبعت بلدكم هذا: حرب أهلية طويلة خلّفت وراءها عداوات وانقسامات، وموارد مهدورة، وفقراً مدقعاً.
أضاف الحبر الأعظم يقول حين يغرق المرء طويلاً في تاريخٍ مطبوع بالألم، يواجه خطر الوقوع فيما وقع فيه تلميذا عماوس: فقدان الرجاء والاستسلام لشلل الإحباط. فهما، وإن كانا يمشيان، إلا أنهما لا يزالان يقفان عند أحداثٍ وقعت قبل ثلاثة أيام حين رأيا يسوع يموت؛ يتحدثان معاً لكن بدون بصيص رجاء في مخرج؛ يتكلمان عما حدث بجهد مَن لا يعرف كيف يبدأ من جديد، بل ولا يدرك إن كان ذلك ممكناً أصلاً. أيها الأحباء، إن بشرى الرب السارة لنا اليوم هي هذه: إنه حي، لقد قام، وهو يسير إلى جانبنا بينما نسير درب المعاناة والمرارة، يفتح عيوننا لكي نرى عمله، ويمنحنا نعمة الانطلاق مجدداً لبناء المستقبل.
تابع الاب الأقدس يقول لقد اقترب الرب من التلميذين المحبطين والفاقدين للرجاء، وصار رفيق دربهما، ليساعدهما على تجميع شتات قصتهما، والنظر إلى ما وراء الألم، ليكتشفا أنهما ليسا وحدهما في الطريق، وأن مستقبلاً يسكنه إله المحبة ينتظرهما. وعندما مكث ليتناول العشاء معهما، وجلس إلى المائدة وكسر الخبز، حينها “انفَتحت أعيُنُهما وعرَفاه”. ها هو الدرب مرسوماً أمامنا وأمامكم أيضاً، أيها الإخوة والأخوات الأنغوليون، للبدء من جديد: فمن جهة، هناك اليقين بأن الرب يرافقنا ويشفق علينا، ومن جهة أخرى، هناك الالتزام الذي يطلبه منا.
أضاف الحبر الأعظم يقول إننا نختبر رفقة الرب بشكل خاص في علاقتنا معه، في الصلاة، وفي الإصغاء إلى كلمته التي تجعل قلوبنا تضطرم كما حدث مع التلميذين، ولاسيما في الاحتفال بالإفخارستيا. هنا نلتقي بالله. لذا، من الضروري دائماً أن نسهر على تلك الأشكال من التدين الشعبي التقليدي التي تنتمي بلا شك إلى جذور ثقافتكم، لكنها قد تنطوي على خطر خلط عناصر سحرية وخرافية لا تساعد في المسيرة الروحية. ابقوا أمناء لتعاليم الكنيسة، وثقوا برعاتكم، وثبّتوا أنظاركم على يسوع الذي يتجلى لنا خصوصاً في الكلمة وفي سر القربان. ففي كليهما نختبر أن الرب القائم من بين الأموات يسير بجانبنا، وبالاتحاد معه، ننتصر نحن أيضاً على أشكال الموت التي تحاصرنا، ونعيش كأبناء القيامة.
تابع الاب الأقدس يقول وينضم إلى هذا اليقين بأننا لسنا وحدنا في الطريق، التزامٌ سخي يمكنه أن يضمِّد الجراح ويوقد شعلة الرجاء. فإذا كان تلميذا عماوس قد عرفا يسوع عند كسره للخبز، فهذا يعني أنه يجب علينا نحن أيضاً أن نعرفه هكذا: ليس في القربان فحسب، بل في كل مكان تتحول فيه الحياة إلى “خبز مكسور”، وفي كل مكان يبذل فيه إنسان نفسه كعطية رحمة كما فعل هو. إن تاريخ بلدكم، والتبعات القاسية التي لا تزالون تتحملونها، والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية وأشكال الفقر المختلفة، كلها تتطلّب وجود كنيسة تعرف كيف ترافق المسيرة وتعرف كيف تصغي لصرخة أبنائها. كنيسة قادرة، بنور الكلمة وغذاء الإفخارستيا، على إحياء الرجاء المفقود. كنيسة مؤلفة من أشخاص مثلكم، يبذلون ذواتهم تماماً كما كسر يسوع الخبز لتلميذي عماوس. إن أنغولا بحاجة إلى أساقفة وكهنة ومرسلين ورهبان وراهبات وعلمانيين يحملون في قلوبهم الرغبة في كسر حياتهم وبذلها للآخرين، والالتزام بالمحبة والغفران المتبادل، وبناء فسحات للأخوة والسلام، والقيام بمبادرات الشفقة والتضامن تجاه الأكثر احتياجاً.
أضاف الحبر الأعظم يقول بنعمة المسيح القائم، يمكننا أن نصبح هذا “الخبز المكسور” الذي يغير الواقع. وكما تذكرنا الإفخارستيا بأننا جسد واحد وروح واحد، متحدون بالرب الواحد، يمكننا ونريد أيضاً أن نبني وطنًا تتلاشى فيه للأبد الانقسامات القديمة، ويختفي فيه الحقد والعنف، وتُشفى فيه جراح الفساد من خلال ثقافة جديدة من العدالة والمشاركة. هكذا فقط سيكون ممكنًا بناء مستقبل من الرجاء، خاصة للعديد من الشباب الذين فقدوه.
وختم البابا لاوُن الرابع عشر عظته بالقول أيها الإخوة والأخوات، ثمة حاجة اليوم للنظر إلى المستقبل برجاء، ولبناء رجاء المستقبل. لا تخافوا من فعل ذلك! إن يسوع القائم، الذي يسير الدرب معكم ويكسر نفسه لأجلكم كخبز، يشجعكم لتكونوا شهوداً لقيامته ورواداً لإنسانية جديدة ومجتمع جديد. في هذه المسيرة، أيها الأحباء، يمكنكم الاتكال على قرب البابا وصلاته! لكنني أعلم أيضاً أنني أستطيع الاتكال عليكم، وأنا أشكركم! أوكلكم إلى حماية وشفاعة العذراء مريم، سيدة موكسيما، لكي تعضدكم دائماً في الإيمان والرجاء والمحبة
البابا: لنكن *خبزاً مكسوراً* يُضمد جراح الماضي ويبني مستقبل الرجاء






