الجامعات، وخاصة الكاثوليكية، ودورها المركزي في زمن الفردانية والعالم الرقمي والذكاء الاصطناعي وأمام التحديات التي تواجهها القارة الأفريقية. كان هذا محور كلمة البابا لاوُن الرابع عشر خلال لقائه العالم الجامعي في جامعة أفريقيا الوسطى الكاثوليكية في ياوندي خلال زيارته الرسولية إلى الكاميرون.
في إطار زيارته الرسولية إلى الكاميرون توجه قداسة البابا لاوُن الرابع عشر بعد ظهر يوم الجمعة ١٨ نيسان أبريل إلى جامعة أفريقيا الوسطى الكاثوليكية في ياوندي ليلتقي العالم الجامعي. وبدأ الأب الأقدس كلمته معربا للحضور عن سعادته الكبيرة للتحدث إليهم في هذه الجامعة التي هي مكان متميز للبحث ونقل المعارف وتكوين الكثير من الشباب. وشكر البابا السلطات الجامعية على الاستقبال الحار والالتزام المتواصل في خدمة التربية، وأضاف أنه مصدر رجاء أن هذه المؤسسة التي تأسست سنة ١٩٨٩ من قِبل رابطة مجالس أساقفة أفريقيا الوسطى هي فنار في خدمة الكنيسة في أفريقيا، في بحثها عن الحقيقة وتعزيز العدل والتضامن.
وواصل قداسة البابا مشددا على الأهمية الأكبر اليوم لأن تكون الجامعات، وبشكل خاص تلك الكاثوليكية، جماعات حياة وبحث حقيقية تُدخل الطلاب والأساتذة في أخوّة في المعرفة “من أجل عيش خبرة جماعية لفرح الحق، ومن أجل تعميق معناه وآثاره العملية. الأمر الذي يدعو الإنجيل وعقيدة الكنيسة اليوم إلى تعزيزه، في تعاون سخي ومنفتح مع جميع القوى الإيجابية التي تحفّز نمو الوعي الإنساني الشامل” حسبما كتب البابا فرنسيس في الدستور الرسولي “فرح الحقيقة”. ووصف البابا لاوُن الرابع عشر الجامعات بأنها بامتياز أماكن صداقة وتعاون وتعمق داخلي وتأمل بينما يبدو أن كثيرين في العالم قد فقدوا المرجعيات الروحية والأخلاقية ليصبحوا سجناء الفردانية والمظاهر والرياء. وذكَّر البابا بأن مَن أسسوا الجامعات في بداياتها قد جعلوا الحقيقة غايتها، وهو ما على الأساتذة والطلاب اليوم أن يضعوا كهدف وأيضا كأسلوب حياة البحث المشترك عن الحقيقة لأن “كل المبادئ الحقيقية مليئة بالله، وكل الظواهر تقود إليه”، كما كتب القديس جون هنري نيومان، قال البابا وذكَّر بأن ما يسميه القديس نيومان النور اللطيف، أي نور الإيمان، وكما كتب البابا فرنسيس في الرسالة العامة “نور الإيمان” “بمقدار اتحاده بحقيقة المحبة، فهو ليس غريبا عن العالم المادي، لأن المحبة تعيش دائما في جسد ونفس. إن نور الإيمان هو نور متجسد، يشع من حياة يسوع المنيرة. هو نور ينير أيضا المادة، ويثق بنظامها، ويعرف أن في المادة تنفتح باستمرار مسيرة انسجام أوسع. فتستفيد هكذا نظرة العلم من الإيمان: فالإيمان يدعو العالِم للبقاء منفتحا على الواقع في كل غناه الذي لا ينضب. الإيمان يوقظ الحس النقدي، لأنه يمنع البحث العلمي من أن يرضى بصيغه، ويساعده على أن يفهم أن الطبيعة هي دائما أكبر مما نراه منها. يدعو الإيمان إلى الاندهاش أمام سر الخليقة، فيوسع آفاق العقل لينير بشكل أفضل العالم الذي ينفتح أمام الدراسات العلمية”.
تحدَّث البابا لاوُن الرابع عشر بعد ذلك عن أن بإمكان أفريقيا الإسهام بشكل أساسي في توسيع الآفاق الضيقة لإنسانية تجد مشقة في أن ترجو، وأضاف أن البحث في قارتكم الرائعة، قال قداسته، يواجهه تحدي الانفتاح على آفاق متعددة التخصصات، دولية ومتعددة الثقافات، وشدد على حاجتنا اليوم إلى التفكير في الإيمان داخل السياقات الثقافية والتحديات الحالية كي نُظهر جماله ومصداقيته في أطر مختلفة وخاصة تلك التي يطبعها الظلم واللامساواة، النزاعات والتردي المادي والروحي.
وواصل قداسة البابا كلمته مشيرا إلى أن عظمة أمة لا يمكن قياسها على أساس وفرة مواردها الطبيعية ولا الثراء المادي لمؤسساتها، فلا يمكن لأي مجتمع أن يزدهر إن لم يكن قائما على ضمائر قويمة مرباة على الحقيقة. وتوقف الأب الأقدس هنا عند شعار جامعة أفريقيا الوسطى الكاثوليكية “في خدمة الحقيقة والعدل” وقال للحضور إن هذا يُذَكرهم بأن الضمير الإنساني كمزار داخلي يكتشف فيه الرجال والنساء أن صوت الله يسائلهم، هو الأرض التي يجب أن تقام عليها الأسس العادلة والثابتة لكل مجتمع. وتحدث البابا بالتالي عن تشكيل ضمائر حرة ولديها قلق مقدس كشرط كي يظهر الإيمان المسيحي كمقترح إنساني بالكامل قادر على تغيير حياة الأفراد والمجتمع وعلى إحداث تغييرات نبوية إزاء مآسي وفقر زمننا وتشجيع بحث أكبر ولا ينتهي عن الله.
ومن بين النقاط التي توقف عندها قداسة البابا تآكل المرجعيات الأخلاقة التي كانت توجه الحياة الجماعية، ما ينطبق على الكاميرون أيضا، ويؤدي هذا إلى الميل نحو قبول ممارسات كانت تُعتبر غير مقبولة في السابق، وهو ما يُفسر جزئيا بالتغيرات الاجتماعية والقيود الاقتصادية والديناميات السياسية التي تؤثر على التصرفات الفردية والجماعية. وتابع أن المسيحيين، وبشكل خاص الشباب الأفارقة، لا يجوز أن يخشوا الأمور الجديدة، وأضاف قائلا للحضور إن جامعتهم يمكنها أن تُكَوِّن رواد أنسنة جديدة في سياق الثورة الرقمية والتي تعرف القارة الأفريقية لا فقط عواملها الجذابة بل وأيضا الجانب المظلم للتدمير البيئي والاجتماعي للبحث اللاهث عن مواد أولية ومعادن نادرة. ودعا البابا إلى عدم إبعاد الأنظار عن هذا متحدثا بالتالي عن خدمة للحقيقة وللبشرية كلها، لأن بدون هذه المشقة التربوية سيُنظر إلى التكيف السلبي مع المنطق السائد ككفاءة، وإلى فقدان الحرية كتقدم. وأضاف البابا لاوُن الرابع عشر ان هذا يصبح أكثر أهمية مع انتشار أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تنظِّم بشكل أكثر تغلغلا بيئاتنا الذهنية والاجتماعية. ويتطلب هذا، وكأي تحول تاريخي كبير، لا فقط مهارات تقنية بل تكوينا مؤنسنا قادرا على أن يجعل مرئيا المنطق الاقتصادي والأحكام المسبقة وأشكال السلطة التي تشكل إدراك الواقع. وأشار البابا إلى أن التفاعل في البيئة الرقمية يتم تحسينه إلى حد يجعل اللقاء الحقيقي غير ضروري وتُختزل العلاقات إلى إجابات وظيفية. ثم قال الأب الأقدس: أنتم بشر حقيقيون، الخليقة أيضا لها جسد، نفس، حياة يجب الإصغاء إليها وحراستها، إنها تئن وتعاني ككل واحد منا. وحذَّر البابا من أنه في حال أصبحت المحاكاة الأمر الطبيعي فإن القدرة البشرية على التمييز ستُشل وستُحبس علاقاتنا الاجتماعية في دوائر ذاتية المرجعية، سنعيش كما في فقاعة وسنشعر بأنفسنا مهددين من كل مَن هو مختلف ولن نعتاد بعد على اللقاء والحوار، فينتشر الاستقطاب والنزاعات والخوف والعنف. وأضاف الأب الأقدس أن هذا ليس لعبة ولا احتمال خطأ بل تحوُّل في علاقتنا مع الحقيقة في حد ذاتها.
وهكذا فإن على الجامعة الكاثوليكية واجب تحمل المسؤولية وألا يقتصر دورها على نقل المعارف، بل عليها تشكيل عقول قادرة على التمييز وقلوب مستعدة للمحبة والخدمة. الجامعات تُعِد في المقام الأول قادة المستقبل والمسؤولين الحكوميين والمتخصصين واللاعبين الاجتماعيين الآخرين كي يقوموا بشكل قويم بما يوكل إليهم وممارسة مسؤولياتهم بنزاهة وإدراج أعمالهم في أخلاقيات في خدمة الخير العام.
توجه البابا لاوُن الرابع عشر بعد ذلك مباشرة إلى الطلاب داعيا إياهم إلى أن يجيبوا على الميل المفهوم نحو الهجرة برغبة متقدة في خدمة بلدهم، وأن يجعلوا ما يكتسبون من معرفة في الجامعة موجَّها لصالح مواطنيهم. وأراد الأب الأقدس هنا التذكير بعبارة للبابا القديس يوحنا بولس الثاني: الجامعة الكاثوليكية “وُلدت من قلب الكنيسة”، وهي تشارك في رسالتها لإعلان الحقيقة التي تحرِّر. وأضاف البابا لاوُن الرابع عشر أن هذه العبارة تُذَكرنا بضرورة فكرية وروحية، أي البحث عن الحقيقة بكل أبعادها مع القناعة بأن الإيمان والعقل لا يتعارضان بل يدعم أحدهما الآخر. كما وتُذَكرنا العبارة بأن أساتذة وطلاب الجامعات يشتركون في واجب الكنيسة “إعلان بشرى المسيح السارة للجميع، بالحوار مع مختلف العلوم، في سبيل فهم أعمق للحقيقة وتطبيقها في الحياة الشخصية والاجتماعية” حسبما كتب البابا فرنسيس في الدستور الرسولي “فرح الحقيقة”.
تحدث الأب الأقدس بعد ذلك عن أن الجامعة الكاثوليكية تحتل، أمام تحديات زمننا، مكانة فريدة ولا غنى عنها، ودعا الطلاب إلى التفكير في رواد هذه المؤسسة وإلى أن يحاكوا مَثلهم واعين بأنه وإلى جانب نقل المعارف والكفاءات تسعي هذه الجامعة إلى تكوين متكامل للشخص البشري. وشدد على أن المرافقة الروحية والإنسانية تشكل بعدا أساسيا في هوية الجامعة الكاثوليكية وأن الطلاب مدعوون، من خلال المرافقة الروحية والمبادرات الرعوية ولحظات التأمل، إلى التعمق في حياتهم الداخلية وتوجيه التزامهم في المجتمع في نور قيم حقيقية وراسخة.
أما إلى الأساتذة فتحدث البابا لاوُن الرابع عشر عن مركزية دورهم وشجعهم على أن يجسدوا القيم التي يريدون نقلها، وخاصة العدل والمساواة والاستقامة، حس الخدمة والمسؤولية. وأضاف قداسته أن أفريقيا والعالم في حاجة إلى أشخاص يلتزمون بالعيش حسب الإنجيل وبوضع قدراتهم في خدمة الخير العام. وتحدث البابا هنا عن آفة الفساد التي تحتاج أفريقيا إلى التحرر منها، وهذا وعي يجب أن يتشكل لدى الشباب منذ سنوات التكوين.
وفي ختام كلمته شدد البابا لاوُن الرابع عشر على أن الفضيلة الأساسية التي يجب أن تحفز الجماعة الجامعية هي التواضع، فأيا كان دورنا أو عمرنا علينا أن نتذكر دائما أننا جميعا تلاميذ، أي رفاق دراسة لدى معلم واحد أحب العالم كثيرا حتى أنه بذل حياته.
البابا يحذّر الطلاب الأفارقة من أن ثورة الذكاء الاصطناعي تُهدّد بتغيير علاقتنا بالحقيقة






