البابا: لكل فرد منا مكانه في فسيفساء السلام!

“أيها الإخوة والأخوات من كل لغة وشعب وأمة: نحن عائلة واحدة تبكي، وترجو، وتنهض من جديد” هذا ما قاله البابا لاوُن الرابع عشر في كلمته في عشيّة الصلاة من أجل السلام
ترأس قداسة البابا لاوُن الرابع عشر مساء السبت في بازيليك القديس بطرس عشيّة صلاة من أجل السلام وللمناسبة ألقى الأب الأقدس كلمة قال فيها أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، إن صلاتكم هي تعبير عن ذلك الإيمان الذي، وفقاً لكلمة يسوع، ينقل الجبال. شكراً لكم على قبول هذه الدعوة، واجتماعكم هنا، عند ضريح القديس بطرس، وفي أماكن أخرى كثيرة من العالم لطلب السلام. إنَّ الحرب تُفرِّق، والرجاء يجمع. إنَّ الغطرسة تَدوس، والمحبة تَرفع. إنَّ الوثنية تُعمي، والله الحي يُنير. يكفي القليل من الإيمان، ذرة من الإيمان، أيها الأحباء، لكي نواجه معاً، كبشرية وبإنسانية، هذه الساعة المأساويّة من التاريخ. إنَّ الصلاة، في الواقع، ليست ملجأً للهروب من مسؤولياتنا، وليست مخدراً لتجنب الألم الذي يثيره الكثير من الظلم. بل هي الرد الأكثر مجانية وشمولية وزلزلةً على الموت: نحن شعبٌ يقوم! ففي كل واحد منا، وفي كل كائن بشري، يُعلِّم المعلم الداخلي السلام، ويدفع نحو اللقاء، ويُلهم التضرع. لنرفع إذاً أنظارنا! ولننهض من بين الأنقاض! لا شيء يمكنه أن يحبسنا في قدرٍ مكتوب سلفاً، ولا حتى في هذا العالم الذي يبدو أن القبور فيه لا تكفي، لأن الصلب مستمر، وإبادة الحياة مستمرة، بلا حق وبلا رحمة.
تابع الحبر الأعظم يقول إن القديس يوحنا بولس الثاني، شاهد السلام الذي لا يكل، قال بتأثر في سياق الأزمة العراقية عام ٢٠٠٣: “أنا أنتمي إلى ذلك الجيل الذي عاش الحرب العالمية الثانية ونجا منها. وعليّ واجب أن أقول لجميع الشباب، لأولئك الأصغر مني سناً والذين لم يخوضوا هذه التجربة: “لا للحرب بعد اليوم!”، كما قال بولس السادس في زيارته الأولى للأمم المتحدة. علينا أن نفعل كل ما في وسعنا! نحن نعلم جيداً أن السلام ليس ممكناً بأي ثمن. ولكننا نعلم جميعاً مدى عظم هذه المسؤولية”. وأنا أتبنى الليلة نداءه هذا، الذي لا يزال آنيًّا جدًّا.
أضاف الأب الأقدس يقول إنَّ الصلاة تُربينا على العمل. ففي الصلاة، تتحد الإمكانات البشرية المحدودة مع إمكانات الله غير المحدودة. حينها، تكسر الأفكار والكلمات والأعمال سلسلة الشر الشيطانية، وتضع نفسها في خدمة ملكوت الله: ملكوتٌ لا سيف فيه، ولا طائرات مسيرة، ولا انتقام، ولا تهوين من شأن الشر، ولا ربح غير عادل، بل كرامة وتفاهم وغفران فقط. لدينا هنا سدٌ أمام جنون العظمة الذي يزداد حولنا عدوانيةً وعدم استنباط. إن التوازنات في العائلة البشرية قد تزعزعت بشكل خطير. حتى اسم الله القدوس، إله الحياة، يتم جره إلى خطابات الموت. حينها يختفي عالم الإخوة والأخوات الذين لهم أب واحد في السماوات، ويصبح الواقع، كما في كابوس ليلي، مأهولاً بالأعداء. وفي كل مكان تُستشعر فيه التهديدات، بدلاً من دعوات الإصغاء واللقاء. أيها الإخوة والأخوات، إنَّ الذي يصلي يدرك حدوده الخاصة، فلا يقتل ولا يهدد بالموت. أما المستعبَد للموت فهو الذي قد أدار ظهره للإله الحي، ليجعل من نفسه ومن سلطته صنماً أصم وأبكم وأعمى، يضحي له بكل قيمة ويطالب العالم أجمع بأن يحني له الركب.
تابع الحبر الأعظم يقول كفى عبادةً للذات وللمال! كفى استعراضاً للقوة! كفى حرباً! إن القوة الحقيقية تتجلى في خدمة الحياة. لقد كتب القديس يوحنا الثالث والعشرون، ببساطة إنجيلية: “من السلام يجني الجميع الفوائد: الأفراد، العائلات، الشعوب، والعائلة البشرية جمعاء”. وبتكرار كلمات بيوس الثاني عشر الحاسمة، أضاف: “لا شيء يضيع بالسلام. ولكن كل شيء قد يضيع بالحرب”.
أضاف الأب الأقدس يقول لنتحد، إذاً، في الطاقات الأخلاقية والروحية للملايين والمليارات من الرجال والنساء، من المسنين والشباب الذين يؤمنون اليوم بالسلام، والذين يختارون اليوم السلام، والذين يداوون الجراح ويصلحون الأضرار التي خلفها جنون الحرب. أنا أتلقى رسائل كثيرة من الأطفال في مناطق النزاع: وعند قراءتها، ندرك بحقيقة البراءة كل الرعب واللاإنسانية في أفعال يتباهى بها بعض البالغين بفخر. لنصغِ إلى صوت الأطفال!
تابع الحبر الأعظم يقول أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، من المؤكد أن هناك مسؤوليات لا مفر منها تقع على عاتق حكام الدول. وإليهم نصرخ: توقفوا! إنه زمن السلام! اجلسوا إلى طاولات الحوار والوساطة، لا إلى الطاولات التي يُخطط فيها لإعادة التسلح ويُبتّ فيها في أعمال الموت! ومع ذلك، هناك مسؤولية لا تقل شأناً تقع علينا جميعاً، رجالاً ونساءً من بلدان مختلفة كثيرة: حشد هائل يرفض الحرب بالأفعال، وليس بالكلمات فقط. إن الصلاة تلزمنا لكي نُحوِّل ما تبقى من عنف في قلوبنا وعقولنا: لنتُب إلى ملكوت سلام يُبنى يوماً بعد يوم، في البيوت والمدارس والأحياء والجماعات المدنية والدينية، ولننتزع المساحات من الجدال والاستسلام بواسطة الصداقة وثقافة اللقاء. لنعد للإيمان بالمحبة والاعتدال والسياسة الرشيدة. لنتنشَّأ ونلتزم بصفة شخصية، وليُجب كل واحد منا على دعوته الخاصة. إذ لكل فرد منا مكانه في فسيفساء السلام!
أضاف الأب الأقدس يقول لقد وحدتنا مسبحة الوردية الليلة، مثل غيرها من أشكال الصلاة القديمة جداً، بإيقاعها المنتظم القائم على التكرار: هكذا يفسح السلام مكاناً لنفسه، كلمةً بعد كلمة، وبادرةً بعد بادرة، كما تُنحت الصخرة قطرةً بعد قطرة، وكما يتقدم النسيج على المِنسج حركةً بعد حركة. إنها أوقات الحياة الطويلة، علامة صبر الله. نحن بحاجة إلى ألا نجعل تسارع عالم لا يعرف ما يطارده يجرفنا، لنعود إلى خدمة إيقاع الحياة وتناغم الخليقة ومداواة جراحها. وكما علمنا البابا فرنسيس، “هناك حاجة إلى صانعي سلام مستعدين لبدء عمليات شفاء ولقاء متجدد بذكاء وجرأة”. هناك في الواقع “هندسة” للسلام، تتدخل فيها مؤسسات المجتمع المختلفة، كلٌ حسب اختصاصها، ولكن هناك أيضاً “حرفة” للسلام تشملنا جميعاً”.
تابع الحبر الأعظم يقول أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، لنعد إلى بيوتنا بهذا الالتزام بالصلاة دائماً بدون كلل، وبالارتداد العميق للقلب. إن الكنيسة هي شعب عظيم في خدمة المصالحة والسلام، يتقدم بدون تردد، حتى عندما يكلفه رفض منطق الحرب سوء الفهم والازدراء. فهي تعلن إنجيل السلام وتُربي على طاعة الله بدلاً من الناس، لاسيما عندما يتعلق الأمر بالكرامة اللامتناهية لبقية البشر، التي تتعرض للخطر بسبب الانتهاكات المستمرة للقانون الدولي. “من المأمول في جميع أنحاء العالم أن تصبح كل جماعة “بيتاً للسلام”، حيث يُتعلم نزع فتيل العداء من خلال الحوار، وحيث تُمارس العدالة ويُصان الغفران. فاليوم أكثر من أي وقت مضى، يتعين علينا أن نُثبت أن السلام ليس يوتوبيا”. أيها الإخوة والأخوات من كل لغة وشعب وأمة: نحن عائلة واحدة تبكي، وترجو، وتنهض من جديد. “لا للحرب بعد اليوم، تلك المغامرة التي لا عودة منها، لا للحرب بعد اليوم، تلك الدوامة من الأحزان والعنف”.
وخلص البابا لاوُن الرابع عشر إلى القول أيها الأحباء، ليكن السلام معكم جميعاً! إنه سلام المسيح القائم من بين الأموات، ثمرة تضحية محبّته على الصليب. ولذلك، نرفع إليه تضرعنا: أيها الرب يسوع، يا من هزمت الموت بدون سلاح أو عنف: لقد بددت قوته بقوة السلام. امنحنا سلامك، كما منحته للنسوة الحائرات في صباح الفصح، وكما منحته للتلاميذ المختبئين والخائفين. أرسل روحك، النسمة التي تحيي، وتصالح، وتجعل من الخصوم والأعداء إخوة وأخوات. ألهمنا ثقة مريم، أمك، التي وقفت بقلب ممزق تحت صليبك، ثابتة في الإيمان بأنك ستقوم. لينتهِ جنون الحرب وليتم الاعتناء بالأرض وليزرعها الذين لا يزالون يعرفون كيف يولِّدون، ويحرسون، ويحبون الحياة. استجب لنا يا رب الحياة!