استقبل البابا لاون الرابع عشر ظهر يوم الجمعة في الفاتيكان مدراء وموظفي المعهد الوطني الإيطالي للضمان الاجتماعي INPS ووجه لهم خطاباً توقف فيه عند أهمية النشاط الذي يقومون به، مسلطاً الضوء على مقاربة الكنيسة لهذا الموضوع، خصوصا في ظل بابوات القرنين الماضيين.
استهل الحبر الأعظم كلمته مرحباً بضيوفه الحاضرين ومن يتابعون اللقاء عن بُعد من مقارهم المحلية، لافتا إلى أن الدور الذي يلعبونه بالغ الأهمية على الصعيدين المجتمعي والمؤسساتي لكونهم يلبون احتياجات العديد من الأشخاص الضعفاء من خلال آليات للتوزيع المنصف للموارد، مع إيلاء اهتمام خاص بالأوضاع الحرجة والصعبة. وأكد أن ضيوفه يتحملون المسؤوليات التي توفّق بين التنمية الاقتصادية والتماسك المجتمعي، وتصب في صالح الخير العام.
بعدها أكد لاون الرابع عشر أن عالمنا غني بالموارد، وعلى الرغم من ذلك إن عدد الفقراء آخذ بالارتفاع، إذ يوجد مئات ملايين الأشخاص الذين يعانون من الفقر المدقع ويفتقرون إلى الطعام والسكن والرعاية الصحية والتعليم والكهرباء ومياه الشرب وباقي الخدمات الأساسية. وشدد البابا على ضرورة أن نسعى إلى تغيير الواقع، لأن المشكلة لا تتعلق بغياب الموارد، إنما بتوزيعها بشكل مجحف، لا يرتكز إلى النزاهة والحسّ الخلقي. وذكّر في هذا السياق بأن الكنيسة الكاثوليكية وضعت دائماً احتياجات الأشخاص في محور اهتماماتها، أكان في عالم العمل، أم على صعيد المساعدات الإنسانية.
هذا ثم لفت الحبر الأعظم إلى أن البابا لاون الثالث عشر، تناول أوضاع العمال متطرقا إلى الضمان والرعاية الاجتماعية في رسالته العامة الشهيرة Rerum Novarum أو “في الشؤون الحديثة”. وشدد البابا Pecci، في الوثيقة التي صدرت عام ١٨٩١، على ضرورة ألا يفقد العمال وظائفهم، وأن تتوفر الأموال اللازمة لمساعدة كل واحد منهم عندما تقتضي الضرورة ذلك، في حالات الأزمات والحوادث والشيخوخة، مع التأكيد على ضرورة أن تشمل هذه الرعاية الأسر التي تعاني من العوز.
لم تخل كلمات البابا بريفوست من الحديث عن مواقف أسلافه الأحبار الأعظمين من قضايا العمل والضمان الاجتماعي، مذكرا بأن البابا يوحنا الثالث والعشرين وفي رسالتيه العامتين “أم ومعلمة” و”السلام في الأرض”، الصادرتين في مطلع الستينيات، أكد أنه من حق كل إنسان أن يتمتع بالأمن الاقتصادي في حالة المرض أو الإعاقة أو الترمّل أو الشيخوخة أو البطالة، أو أي حالة أخرى تسبب فقدان مورد الرزق. وهذه المبادئ شدد عليها البابوات بولس السادس في “ترقي الشعوب” ويوحنا بولس الثاني في “السنة المائة” وبندكتس السادس عشر في “المحبة في الحقيقة”. هذا بالإضافة طبعاً إلى التعاليم الاجتماعية للبابا فرنسيس الذي أكد في الرسالة العامة Fratelli Tutti أن الضمان الاجتماعي هو حق كوني من حقوق الإنسان.
بعدها لفت لاون الرابع عشر إلى أن النموذج الذي تقترحه الكنيسة يرتكز إلى مبادئ التضامن والدعم والمسؤولية الاجتماعية والأخوة البشرية بشكل يسمح لكل إنسان بأن يعيش حياة كريمة من خلال العمل، كما جاء أيضا في الرسالة العامة للبابا فرنسيس “كن مسبحا”. وذكر البابا بريفوست بأن ملخص العقيدة الاجتماعية للكنيسة الكاثوليكية يتناول مبدأ التضامن الذي هو جزء من واجب كل فرد حيال المجتمع، وهذا الواجب ينبغي أن يقوم به من خلال الانفتاح على الآخرين، على أجيال اليوم والغد.
في هذا السياق أوضح البابا أن المعهد الوطني للضمان الاجتماعي يلعب دوراً أساسياً على هذا الصعيد، موجهاً نشاطاته في اتجاهات عدة، مساهما في تطبيق سياسات تصب في صالح النمو الاجتماعي انطلاقاً من حماية الأشخاص الأشد ضعفاً والاستثمار في مستقبل الشباب، مع الحفاظ على مبدأي الانصاف والتضامن أكان لدى المتقاعدين أم العمال الذين ما يزالون في الخدمة.
بعدها ذكّر الحبر الأعظم بأن النمط التقليدي للعمل، كما كان معروفاً في القرن العشرين، تبدل اليوم، وذلك لأسباب عدة من بينها التمويل المتزايد للمؤسسات، ونقل الإنتاج إلى الخارج على نطاق عالمي، وارتفاع تكاليف العمل، وخصوصا التطور التكنولوجي المتسارع، مع التأثير القوي للذكاء الاصطناعي الذي لا يزال بحاجة إلى التحليل والتقييم في أبعاده المتعددة. هذا فضلا عن نمو نماذج العمل المؤقت، والعمل بدوام جزئي، والعمل عبر شركات التوظيف المؤقت، والعمل عند الطلب، والعمل المستقل في أشكال متنوعة وهجينة. وهي قضايا لا بد أن تعني بالمقام الأول، هيئات الضمان الاجتماعي، لاسيما المعهد الوطني الإيطالي للضمان الاجتماعي.
هذا ثم شاء البابا لاون الرابع عشر أن يذكّر ضيوفه باللقاء الذي جمع البابا الراحل فرنسيس مع مدراء وموظفي هذا المعهد في السابع من تشرين الأول نوفمبر ٢٠١٥ عندما طلب برغوليو من ضيوفه ألا ينسوا الإنسان، مشددا على ضرورة أن نحبّ كل كائن بشري ونخدمه بضمير ومسؤولية وجهوزية، كما حثّ الحاضرين أيضا على العمل من أجل من يعملون وأيضا من أجل من يريدون أن يعملوا وهم عاجزون عن ذلك، داعياً إياهم إلى مساعدة الضعفاء كي لا يفتقر أحد إلى الكرامة وحرية عيش حياة إنسانية أصيلة.
في الختام تمنى لاون الرابع عشر لضيوفه عملاً موفقاً ومنحهم بركاته الرسولية.
البابا يستقبل مدراء وموظفي المعهد الوطني الإيطالي للضمان الاجتماعي






