الكاردينال لويس روفائيل ساكو
إذ استعد لوداعِ مقرِ البطريركية ببغداد، للانتقال الى المعهد الكهنوتي في عنكاوا/ أربيل، أود ان أوجّه هذه الرسالة الوداعية.
أتوجّه أولاً بالشكر الى الله على كلِّ النعم التي سكَبها علي، والى كلِّ الذين وقفوا معي بصدق طيلة خدمتي. كما اُعرب عن إمتناني لكلِّ الذين اتصلوا بي بعد استقالتي، من بطاركة وكرادالة وأساقفة وكهنة شرقيين وأجانب، وأشخاص مسيحيين وغير مسيحيين. لقد أثّرت فيّ كلماتهم كثيراً. أعِدهم بأني لن أنساهم في صلاتي.
يسرّني أن انضمَّ الى الكنيسة الكلدانية في الصلاة من أجل أساقفتنا المجتمعين في روما، ليُنيرهم الرب فيختاروا من بينهم من هو الأنسب ليكون أباً لها، يُجسِّدُ وحدتَها، ويضمن حيويّتَها. يُحبُّ الناس ويخدمهم. يفرح بهم ويفرحون به. بهذا الخصوص، أؤكد اني لم اتصل بأي اُسقف من أجل ان يُصوت لفلان أو غيره. وعدم حضوري المجمع الإنتخابي هو تعبيرٌ عن إحترامي لضميرِ الأساقفة في إختيارهم. مَن يبث هكذا أكاذيب وغيرها لا ضمير له.
حاولتُ خلال خدمتي للكنيسة الكلدانية، وسط تراكمات ثقيلة، وتحديات بالغة الصعوبة، أن أبقى بروحي أميناً للإيمان المستنير، وليس مجرد الإلتصاق بالموروث المغلق، وكانت لي القوّة في تسليط الضوء على أهمية الكنيسة الكلدانية والكنائس الشرقية للداخل والخارج. فتحققت خلال 13سنة، نقلة نوعية للكنيسة الكلدانية متأسَّسة على الأصالة والوحدة والتجدّد كما جاء في شعاري البطريركي. الأصالة تنبع من الجذور، وبهاء التوارث الرسولي، وجمال التقليد، لكن تنبثق أيضاً من الحسّ بضرورة التجديد والتأوين، فالتقليد ليس تحنيطاً، بل روحاً يتواصل مع الزمن وبشكل آخر. للأسف هذا ما لم يدركه البعض!
منذ سنوات شبابي ودراستي تابعت بجدٍّ روح المجمع الفاتيكاني الثاني، وكبار لاهوتيه: كونكار، وشنو، وبالتازر وراهنر.. فضلاً عن مشاركاتي، على سبيل المثال لا الحصر: مشاركتي منذ 2010 في سينودسات الأساقفة الكاثوليك العامة وتراُسي العائلة الكاثوليكية في مجلس كنائس الشرق الأوسط لفترة خمس سنوات، علمتني هذه الخبرة الكثير من خلال الإصغاء والنقاش والصداقات.
أما في كتاباتي ككاهن واُسقف وبطريرك، فقد بحثتُ مع آخرين عن السُبُل التي تمكّن الكنيسة من أداء ليتورجيتها وتعليمها catechism بلغة معاصرة مفهومة، وخدمة الفقراء بفعالية أكثر. هذه السِمات أساسية ودائمة في حياة الكنيسة، لئلا تفقد حماسها وحيويتها.
لم اكن يوماً ما طائفياً، فقد سعيتُ لتوحيد مواقف الكنائس وخطاباتها، كما طلبتُ تغيير الاسم من رؤساء الطوائف الى رؤساء الكنائس وتعديل النظام الداخلي، و لكن لم تكن ثمة إستجابة بسبب موالاة بعضها لفصيل مسلح معروف باستيلائه على مُقدّرات المسيحيين. عززتُ الحوار المسيحي الإسلامي وتمكنّا من تفكيك خطاب الكراهية. وغدَتْ البطريركية مرجعية دينية ووطنية وإجتماعية، اتمنى ان تستمر.
كما عملتُ على حماية المسيحيين المتجذّرين في العراق طيلة فترة وجودي. ودعمتهم للبقاء في وطنهم رغم كلِّ الظلم والسياسات غير المستقرة. طالبتُ بدولة مدنية تقوم على المواطنة الشاملة والمساواة وليس على الدين والطائفية والمحاصصة. فالوطن كما يقول الفيلسوف ليو تولستوي، “ليس مساحة من الأرض ولا مجموعة من الناس، بل هو البيئة الملائمة التي تُحفظ فيها كرامة الإنسان”.
لم أَحْنِِ رأسي إلّا أمام الله، ورفضتُ الخضوع للإبتزاز أو الشراء بالمال أو المساومة، حتى أبقى حرّاً وأميناً لضميري ورسالتي.
لي الثقة المطلقة بالعناية الإلهية بان: “مَن آمَنَ بِه لا يُخْزى” (رومة 10/ 11). حالياًً أعيش بسلام واطمئنان. الاستقالة ليست نهاية العالم! بل هي بداية جديدة للعيش بسكينة وطريقة أعمق وأكثر هدوءًا للخدمة بتواضع واختفاء.
إلى جانب هذا فإني أتقدم بمحبة وصفاء نية بتوصيتي القلبية للإخوة الأساقفة والكهنة والمؤمنات والمؤمنين.
للأساقفة، اعملوا كفريق واحد باحترام المواهب في خدمة الكنيسة بمحبة وتواضع، والإلتزام الثابت تجاه المحتاجين. حافظوا على شعلة الرجاء مضيئة في قلوبكم أولاً، وقلوب كهنتكم ومؤمنيكم. يقول مار افرام “حسبما يكون الأسقف هكذا تكون رعيته” (ترانيم نصيبينية 2/ 19). ويكمل: “انه المربي للإيمان والأخلاق وهو المُعين للمستضعفين”. قد تختلفون في أفكاركم وهو أمر طبيعي، لكن لا ينبغي ان يقود الى الخلاف، بل لتبقَ المحبة هي السائدة.
للكهنة، ليكن يسوع مثالاً لكم. تميّزوا بالبساطة والغيرة، وجسّدوا الإفخارستيا لتترسَّخ ثقة الناس بكم. كونوا شهوداً للمسيح وعلامة لحضوره في حياتكم اليومية. وعلى ضوء كلمة الفادي: إحذروا من المال (متى 6/ 24).
للمؤمنات والمؤمنين، التزموا بإيمانكم وأخلاقكم المسيحية، ولا تتأثروا بوسائل التضليل. تمسَّكوا بكنيستكم وهويتكم الكلدانية ولغتكم ومجتمعكم واحملوا شعلة إرثكم بكل فخر.
أخيراً أضع خدمتي بالصلاة من أجل الكنيسة بشهدائها وقدّيسيها، والعراق وطناً للجميع ومن بينهم المسيحيون حيث فيه جذورهم.
ملاحظة بخصوص التسليم والإستلام: ليس لي شخصياً ما اُسلّمه للبطريرك القادم. ما أملكه هو ما تبقى من رواتبي الذي هو مثل راتب أي اسقف كلداني في العراق نحو ألف ومائة دولار أمريكي، وملابسي وحُلَلي الكهنوتية ومكتبة مهمة تحوي أهم مصادر تاريخ وتراث كنيستنا، وسوف أتركها لاحقاً للمعهد الكهنوتي:
الدائرة المالية معزولة عن البطريركية. هي التي تحتفظ بالأموال وليست البطريركية التي ليس فيها مال ما عدا ما ترسله الدائرة المالية شهرياً للمطبخ ووقود السيارات. كلها تتم بوصولات من قِبل المحاسب بإشراف المطران باسيليوس يلدو. واليوم عند الدائرة المالية مبلغ كبير لم تشهده البطريركية في تاريخها؟
لدى الدائرة المالية قائمة باملاك البطريركية وبثلاث مدارس إبتدائية وعدد من رياض الأطفال.
للبطريركية حساب في البنك الفاتيكاني باليورو والدولار وأعتقد أن المبلغ بسيط، لم استعمله ابداً لحاجاتي الخاصة. مصرف الفنادق خصوصاً في روما أدفعه من عندي عني وعن من يرافقني. وأحياناً أدفع بطاقة الطائرة. سلّمت بطاقة البنك الى المعاون البطريركي المطران باسليوس يلدو.
الذهب، توجد حاجات ذهبية ثمينة من صلبان وخواتم الخ. كلها مسجَّلة وسُلّم المفتاح الى المعاون البطريركي المطران باسليوس يلدو. لم استعمل اي شيء منها. وليس لي إلّا خاتم ذهبي أهداه لي السيد انطوان حكيم، أحد وجهاء الطائفة في لبنان.
اني مستعد لأي سؤال من قِبل البطريرك القادم.
عيد قيامة مبارك بالسلام والأمان والفرح
رسالة وداع من الكاردينال ساكو






