أجرت مجلة Dialoghi “حوارات” التابعة لحركة “العمل الكاثوليكي” الإيطالية مقابلة مع أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان الكاردينال بيترو بارولين تناول فيها الأوضاع الراهنة على الساحة الدولة حيث يبدو أن منطق القوة بات سيد الموقف، إزاء تراجع دور المؤسسات المتعددة الأطراف وانحسار النشاط الدبلوماسي، وأكد أن الكرسي الرسولي كان وما يزال يسعى إلى ضمان فسحات للتفاوض مذكرا الجماعة الدولية بأهمية الدفاع عن السلام والكرامة البشرية والخير العام.
استهل نيافته حديثه مشيرا إلى أن منطق القوة كان دائماً موجوداً، لكن المشكلة اليوم تكمن في تراجع الدور الذي تلعبه الدبلوماسية، ويبدو أن العالم بات يستسلم شيئا فشيئاً إلى منطق الأقوى، وبات الحسم العسكري يُطرح على أنه الخيار الأنسب الذي يحلّ المشاكل، مع وضع القانون الدولي بتصرف المصالح الأحادية الجانب، فيما باتت الدبلوماسية صمّاء وعاجزة عن اقتراح خيارات بديلة. ويبدو أن قيمة السلام أصبحت اليوم مفقودة.
بعدها ندد نيافته بسياسة المعيارين والمكيالين التي لا تأخذ في عين الاعتبار حقيقة سبق أن تحدث عنها إيمانويل كانت عام ١٧٩٥ في كتابه بعنوان “من أجل سلام دائم” عندما أكد أن أي خرق للقانون يحصل في بقعة معينة في العالم تترتب عليه انعكاسات في البقاع الأخرى. وقال بارولين إن دولا عدة أدانت الهجمات الروسية ضد المدنيين الأوكرانيين وفرضت عقوبات على موسكو، لافتا إلى أن الشيء نفسه لم يحصل خلال حرب غزة.
هذا ثم شدد المسؤول الفاتيكاني على أن السلام لا يمكن أن يتحقق بواسطة الأسلحة ومن خلال التوازنات التي يفرضها الأقوياء، عوضا عن الاتفاقات الدولية، وذكّر بالكلمة التي وجهها البابا لاون الرابع عشر إلى المشاركين في الجمعية العامة لهيئة رواكو في حزيران يونيو الماضي عندما تحدث عن خيانة الرغبة في تحقيق السلام من خلال برامج إعادة التسلح، والاعتقاد الواهم بأن التسلط يحل المشاكل ولا يغذي الحقد والانتقام. وقال بارولين في هذا السياق إن الكرسي الرسولي مقتنع تماماً بضرورة إزالة الترسانات، بدءاً من تلك النووية، مشيرا إلى الاتفاقات الموقعة بشأن منع الانتشار النووي والتي يبدو اليوم أنها باتت جزءاً من الماضي وحسب. وأوضح أن البابا فرنسيس وفي الخطاب الشهير الذي ألقاه في هيروشيما عام ٢٠١٩ أكد أن حيازة السلاح النووي مسألة غير أخلاقية بحد ذاتها.
تابع المسؤول الفاتيكاني حديثه الصحفي مذكراً بأن البابا يوحنا بولس الثاني كان يحلم بأوروبا موحدة، ليس بواسطة الشيوعية أو العولمة، بل بالقيم المتقاسمة لشعوبها. والتاريخ أظهر لنا أن العالم بات، منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، أقل استقراراً، فيما كان الناس يحلمون بالحرية والتضامن، ولم تجد الجماعة الدولية حلولاً لآفات ما يزال يرزح تحت وطأتها ملايين البشر كالجوع والعطش وغياب الخدمات الاجتماعية الأساسية وظروف العمل اللائق والكريم.
بعدها قال نيافته إن الدبلوماسية هي فن الممكن، ولا يمكن أن تعمل وفقاً لمناهج معلبة أو استنادا إلى عقائد مجردة، إذ لا بد من الانطلاق دوما من الواقع الموجود، حتى إن لم يعجبنا أو يتماشى مع تطلعاتنا. ولفت إلى أن ثمة حنيناً إلى الماضي الذي لم يعد موجوداً اليوم، مشددا على ضرورة أن نعمل جميعاً على بناء واقع إيجابي انطلاقا من الماضي، وأن نبدل الحاضر، وألا نستسلم أبدا.
وتوقف نيافته هنا عند أهمية بعد النظر، والأخذ في عين الاعتبار انعكاسات خياراتنا اليوم على أجيال المستقبل. وهذا ما يتطلب من المسؤولين السياسيين، على سبيل المثال، أن يبحثوا عن حلول تصب في صالح الخير العام، ولا تهدف فقط إلى الفوز في الانتخابات المقبلة. أما الدبلوماسية فيتعين عليها الاستمرار في البحث عن سلام دائم، يحترم حقوق الجميع. وأكد في الختام أن الواقعية السليمة تنظر إلى الواقع كما هو، كي لا ترتكز إلى أفكار غير قابلة للتطبيق، وهكذا توجه أنظارها نحو النتائج الممكنة وتسعى إلى تحقيقها.
الكاردينال بارولين يتحدث عن أهمية العمل الدبلوماسي وسط التوترات الراهنة اليوم






