مقابلة مع النائب العام على أبرشية الموصل للسريان الكاثوليك

لمناسبة الاحتفال بعيد الفصح أجرى موقع فاتيكان نيوز الإلكتروني مقابلة مع الأب بهنام بينوكة، النائب العام على أبرشية الموصل للسريان الكاثوليك الذي قدم صورة عن أجواء الاحتفالات التي شهدتها المنطقة، إذ حاول المؤمنون أن يتسلحوا بالرجاء وينظروا بأعين الأمل إلى المستقبل على الرغم من كل الصعوبات والمشاكل، لاسيما الحرب الدائرة في المنطقة. وأكد أن المسيحيين العراقيين متضامنون مع أخوتهم المتألمين في مناطق عدة من العالم، لاسيما في نيجريا حيث وقعت مجزرة ضد المسيحيين ذهب ضحيتها سبعة وعشرون شخصا.
استهل الكاهن العراقي حديثه لافتاً إلى أن سهل نينوى، من برطلة إلى قره قوش، يتواجد على طول الخط بين الموصل وإربيل، ويشكل بالتالي موقعاً إستراتيجياً، وتُطلق منه الصواريخ والمسيّرات باتجاه إربيل، هذا بالإضافة إلى القصف الذي يستهدف المجموعات المسلحة المتواجدة في منطقة الموصل. يحصل هذا في وقت تشهد فيه سوريا المجاورة هجمات بواسطة المسيرات القادمة من العراق ضد قواعد تابعة للجيش السوري والقوات الأمريكية، كما أن المركز الدبلوماسي واللوجستي الأمريكي في مطار بغداد الدولي تعرض لهجوم مماثل. وفي محافظة إربيل تعرض مصنع للزيوت للقصف من قبل الميليشيات الموالية لإيران، مع العلم أنه يوجد في كردستان العراق آلاف المقاتلين يقولون إنهم مستعدون للدخول في مواجهة مع طهران، وفقاً للمراقبين السياسيين. وما يزيد الطين بلة التهديدات الصادرة عن مجموعات إسلامية راديكالية ضد المسيحيين في سهل نينوى.
في خضم هذا الواقع الصعب والمعقد أبت الجماعات المسيحية المحلية إلا أن تشارك في الاحتفالات الدينية لمناسبة أسبوع الآلام وعيد الفصح، مع أن القداديس والزياحات أُقيمت داخل الكنائس ووراء الأبواب المغلقة لاعتباراتٍ أمنية. ويقول الأب بينوكة إن بعض الزياحات تم إلغاؤها، كتلك التي كانت تجري في الماضي بشوارع برطلة وقره قوش خلال عيد الشعانين، على سبيل المثال، مضيفاً أن الاحتفالات هذا العام اقتصرت على الكنائس، وجرت وسط تدابير أمنية مشددة. واعتبر أن المؤمنين اختبروا الصليب خلال هذه الأعياد، وأحيوا هذه الذكرى مع الكنيسة المتألمة ومع المسيح، في أرض تعاني الأمرّين منذ عقود بسبب الصراعات المسلحة وعنف الإسلاميين المتشددين، هذا ناهيك عن التوترات الطائفية الراهنة في العراق، والتي برزت مع اندلاع حرب الخليج الثانية عام ٢٠٠٣ ولم تنتهِ لغاية هذا اليوم.
تابع النائب العام على أبرشية الموصل للسريان الكاثوليك حديثه مشيراً إلى أن هذه المدينة التي كانت تتميز في الماضي بتعددية الديانات والأعراق باتت اليوم موطناً لأقل من مائة عائلة مسيحية. وقد عاشت المنطقة مأساة كبيرة في آب أغسطس من العام ٢٠١٤ عندما اضطُر أكثر من مائة ألف مسيحي على النزوح عن سهل نينوى، هرباً من القتل والدمار الممارسَين على يد تنظيم الدولة الإسلامية. وأشار الأب بينوكة إلى وجود تطرف شيعي اليوم، بعد التطرف السني الذي استهدف جماعات مسيحية طالما كانت على مر العصور بمثابة “جسور للسلام”.
بعدها أكد الكاهن العراقي أن موجة النزوح لم تتوقف منذ تلك الأحداث، مع أن جزءاً كبيراً من المسيحيين الذين نزحوا آنذاك عن سهل نينوى تمكنوا من العودة إليه خلال السنوات الاثنتي عشرة الماضية. وقال إنه يحمد الله لأن تلك العائلات تمكنت منذ عام ٢٠١٧ من استعادة حياتها الطبيعية تدريجياً وذلك بفضل مساعدة العديد من المنظمات الخيرية الكاثوليكية والدولية. وأضاف أن المسيحيين في العراق شأن باقي المواطنين يخشون اليوم من اتساع رقعة الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لافتا إلى أن المسيحيين يأملون بألا يحصل هذا الأمر، خصوصا وأنهم لم يتعافوا بعد من الجراح التي ألحقها بهم داعش. وأضاف أن ثمة الكثير منهم ما يزالون يعانون من الصدمة التي أصيبوا بها نتيجة أحداث العام ٢٠١٤، ومما لا شك فيه أنهم سيفقدون رغبة البقاء في أرضهم في حال تدهور الوضع. وقال بينوكة: “هذه أرضنا، لقد وُلدنا هنا، وساهمنا في صنعها على مر التاريخ، سنة بعد سنة، قرناً بعد قرن”، وأشار إلى أنه يصعب على الناس أن يتصوروا التخلي عن أرضهم وأن يتركوا كل شيء، لكنهم تعبوا من المعاناة والألم، موضحاً أن ثمة شباناً وأشخاصا في عقدهم الرابع يقولون إنهم لم يعرفوا يوماً واحداً من السلام داخل العراق.
هذا ثم لفت الكاهن العراقي إلى أنه على الرغم من هذا المشهد القاتم ما يزال الإيمان راسخاً في النفوس وهو لا يعرف حدوداً. وقال إن المؤمنين علموا بالاعتداء الذي تعرض له المسيحيون في نيجيريا – في إشارة إلى المجزرة التي وقعت يوم عيد الشعانين وأودت بحياة سبعة وعشرين شخصا – وهم يفكرون بأخوتهم وأخواتهم هؤلاء، ويتّحدون معهم في المعاناة والألم. وأوضح في هذا السياق أن المحبة الأخوية تبقى ما يرجوه المسيحيون في عيد الفصح هذا، خصوصا إزاء من يحاولون كسر رباط الأخوّة بين المواطنين العراقيين.
وختم النائب العام على أبرشية الموصل حديثه بالقول إن المؤمنين المسيحيين يكررون دائماً أن أحد القيامة يأتي بعد أسبوع الآلام والجمعة العظيمة، وهذه الحقيقة تبعث الرجاء في القلوب، لذا يسعى المؤمنون للنظر إلى المستقبل بأعين الأمل، متمنين أن تنتهي هذه الحرب في أسرع وقت ممكن وأن تبدأ حياة جديدة.