المطران إسكندر ترأس قداس عيد الفصح في كاتدرائية مار توما في صور: المحبة في زمن الضيق تصير معجزة يومية

ترأس راعي ابرشية صور للروم الملكيين الكاثوليك المتروبوليت جورج إسكندر صلاة الهجمة وقداس عيد الفصح المجيد في كاتدرائية مار توما الرسول، عاونه الأبوان بشارة كتورة وماريوس خير الله، بحضور رئيس اركان اليونيفيل الممثل العسكري لفرنسا في لبنان الجنوبي اللواء بول سانزي وأبناء الابرشية.
وألقى اسكندر عظة قال فيها: “نلتقي اليوم في عيد الأعياد وموسم المواسم، لا لأنّ الحياة صارت سهلة، ولا لأنّ الوجع انتهى، ولا لأنّ ليلنا انقشع كلّه دفعةً واحدة، بل لأنّ الكنيسة تؤمن بأنّ القيامة لا تنتظر اكتمال الظروف لكي تُعلَن، بل تدخل إلى قلب الليل وتقول له: لستَ أنت الكلمة الأخيرة”.
أضاف: “نحتفل اليوم بالفصح في صور، وفي القلب منّا صور كثيرة: صورة البيت الذي لم يعد كما كان، وصورة القرية التي تنتظر أبناءها، وصورة العائلة التي تفرّقت بين خوفٍ ورجاء، وصورة الأمّ التي تخبّئ دمعتها لكي لا تضعف أمام أولادها، وصورة الأب الذي يحمل همّ الغد وهو لا يعرف كيف سيكون الغد، وصورة الإنسان الذي تعب من سماع الأخبار، لكنّه لم يتعب بعد من الصلاة. لهذا، فإنّ عيد الفصح هذه السنة ليس عيدًا عاديًّا. إنّه ليس مجرّد مناسبة لفرحٍ سريع، بل هو إعلان إيمانٍ عميق:
أنّ المسيح القائم من بين الأموات يدخل أيضًا إلى جراحنا، وإلى خوفنا، وإلى قلق أهلنا، وإلى تعب الجنوب كلّه، لكي يقول لنا: لا تخافوا، أنا غلبتُ الموت، ولن أترككم وحدكم في هذا الطريق”.
وتابع: “القيامة لا تعني أنّ الصليب لم يكن موجودًا. ولا تعني أنّ القبر كان وهمًا. ولا تعني أنّ الدموع كانت بلا معنى. القيامة تعني أنّ الله دخل إلى أعمق جرحٍ في حياة الإنسان، وحوّله من نهايةٍ مغلقة إلى بابٍ مفتوح. ولهذا نحن اليوم، حين نقول: المسيح قام، لا نقول كلمةً شعرية، بل نقول الحقيقة التي تقوم عليها حياتنا كلّها. نقول إنّ الشرّ ليس أقوى من الله. ونقول إنّ الموت ليس أقوى من الحياة. ونقول إنّ الظلمة ليست أقوى من النور. ونقول إنّ اليأس، مهما علا صوته، لن يكون له القول الفصل. ونحن في صور والجنوب، نفهم هذا أكثر من غيرنا في هذه الأيام. لأنّنا نعرف ماذا يعني أن يعيش الإنسان في القلق. ونعرف ماذا يعني أن يصبح الطريق صعبًا، والبيت مهدّدًا، والناس في حال انتظارٍ دائم. ونعرف أيضًا ماذا يعني أن يبقى الإنسان واقفًا لا بقوّته فقط، بل بإيمانه، وبالنعمة، وبالرجاء الذي يتغذّى من الصلاة. وقد رأينا ذلك بأعيننا حين امتلأت الكنائس في صور بالصلاة في أحد الشعانين، رغم الخوف والعزلة والدمار المحيط. أيّها الأحبّاء، ما أجمل أن نحتفل بالقيامة حين تكون الأرض هادئة، والناس مطمئنّين، والطرق مفتوحة، والقلوب خفيفة. لكنّ الإيمان الحقيقي يظهر أكثر حين نحتفل بالقيامة ونحن نحمل الصليب. عندئذٍ تصبح هللويا الفصح شهادةً لا نشيدًا فقط. ويصبح النور الذي نحمله ليس زينةً في الطقس، بل موقفًا في الحياة. ويصبح إعلاننا: المسيح قام فعل مقاومة روحية، مقاومةً للخوف، مقاومةً للانكسار، مقاومةً لفكرة أنّ الإنسان متروك وحده. لهذا أقول لكم اليوم: لا تسمحوا للوجع أن يسرق منكم المعنى. ولا تسمحوا للخوف أن يسرق منكم الرجاء. ولا تسمحوا للأحداث أن تجعل قلوبكم قاسية. فالقيامة لا تصنع منّا أناسًا يهربون من الواقع، بل أناسًا يواجهونه بنورٍ آخر، بروحٍ أخرى، بقلبٍ لا يسقط في الحقد ولا في اليأس”.
وقال: “في هذا العيد، أفكّر بأهلنا الذين تفرّقوا عن بيوتهم، وبالقرى التي تنتظر، وبالعائلات التي تعيش بين نزوحٍ وترقّب، وبالأطفال الذين يستحقّون طفولةً أكثر أمانًا، لا ذاكرةً مثقلةً بالخوف. وأفكّر أيضًا بمدينة صور، هذه المدينة العزيزة التي ليست مجرّد مكانٍ للسكن، بل ذاكرة إيمان، وموضع تاريخ، وأرضٌ تحمل في حجارتها وتراثها قصص أجيال. وأفكّر بأهلنا في القرى الصامدة، خصوصًا الذين ما زالوا يثبتون في أماكنهم تحت الخوف والقلق، ومنهم من يعيشون اليوم في رميش وعين إبل ودبل، حيث تتحدّث التقارير عن خوفٍ كبير بعد انسحاب الجيش من مناطق قريبة وتراجع الإمدادات الأساسية. هؤلاء ليسوا خبرًا عابرًا، بل هم أهلنا، وصلاتنا، وجزء من هذا الجسد الواحد الذي يتألّم إذا تألّم عضوٌ فيه”.
أضاف: “ماذا يطلب منّا الفصح اليوم؟ يطلب منّا أوّلًا ألّا نستسلم. ويطلب منّا ثانيًا أن نكون إلى جانب بعضنا البعض. ويطلب منّا الفصح ثالثًا أن نحفظ قلوبنا من الداخل. ربّما لا نقدر أن نغيّر كلّ شيءٍ حولنا سريعًا، لكنّنا نقدر أن نرفض أن يتحوّل الخوف إلى قساوة، وأن نرفض أن يتحوّل الوجع إلى كراهية، وأن نرفض أن يتحوّل الانتظار إلى موتٍ داخلي. المسيح قام لكي يوقظ فينا الإنسان الجديد، لا لكي يضيف كلماتٍ جميلة إلى حياةٍ متعبة. هو قام لكي يقول لكلّ واحدٍ منّا: انهض. انهض من يأسك. انهض من تعبك. انهض من انغلاقك على نفسك. انهض، ولو كنتَ لا تزال تحمل جراحك، لأنّ القيامة لا تبدأ بعد زوال الجراح، بل من داخلها. هذا العيد ليس تجاهلًا للواقع، بل نظرًا إليه بعينٍ أخرى. نعم، هناك نزوح كثير، ووجع كثير، ومدارس صارت مراكز إيواء، وعائلات تبحث عن مكانٍ آمن، وأطفال يحملون فوق أعمارهم ما لا يجب أن يحملوه. لكن وسط كلّ هذا، تبقى الكنيسة تقول: الإنسان ليس رقمًا، والبيت ليس تفصيلًا، والطفل ليس هامشًا، والجنوب ليس ساحةً منسيّة. في عين الله، كلّ دمعةٍ معروفة، وكلّ بيتٍ له قيمة، وكلّ إنسانٍ له وجه واسم وكرامة. من هنا، أقول لأهل صور ولأهل الجنوب: لا تفقدوا ثقتكم بأنّ الربّ يسير معكم. قد يطول الليل، لكنّه لن يلغي الفجر. قد يشتدّ الصليب، لكنّه لن يمنع القيامة. قد تتعب الخطى، لكنّها لن تضيع إذا بقيت سائرةً مع المسيح. وأقول للذين غادروا بيوتهم وقراهم: أنتم لستم بعيدين عن قلب الكنيسة. أنتم حاضرون على المذبح، وفي الصلاة، وفي الذاكرة، وفي الرجاء. وأقول للذين بقوا في أرضهم رغم الخوف: الربّ يرى ثباتكم، والكنيسة تثمّن صمودكم، ونحن معكم بالصلاة والمحبة والمرافقة. وأقول لأطفالنا: لا تدعوا أحدًا يسرق منكم النور. وأقول لشبيبتنا: لا تسمحوا لليل أن يطفئ دعوتكم للحياة. وأقول لعائلاتنا: حافظوا على بعضكم البعض، لأنّ المحبة في زمن الضيق تصير معجزةً يومية”.
وختم اسكندر: “فلنأخذ اليوم من القبر الفارغ لا فقط فرحته، بل رسالته أيضًا. القبر الفارغ يقول لنا إنّ الله قادر أن يصنع طريقًا حيث نظنّ أنّ كلّ الطرق أُقفلت. ويقول لنا إنّ الحياة يمكن أن تخرج من المكان الذي ظننّاه نهايةً. ويقول لنا إنّ الرجاء المسيحي ليس تفاؤلًا ساذجًا، بل ثقةً عميقةً بالله الذي يعمل حتى حين لا نراه. فلنهتف اليوم من أعماق جراحنا قبل أفراحنا: المسيح قام! قام في كنائسه، وقام في بيوتنا المتعبة، وقام في قلوب الأمهات، وقام في دموع الأطفال، وقام في صبر الشيوخ، وقام في صلاة هذه المدينة، وقام في رجاء الجنوب. المسيح قام، فلا يستبدّ بنا خوف. المسيح قام، فلا يملك علينا يأس. المسيح قام، فلنحمل نحن أيضًا نور القيامة إلى من حولنا. وكلّ عامٍ وأنتم بخير، وكلّ عامٍ وصور والجنوب في قلب المسيح القائم، وكلّ عامٍ والرجاء فينا أقوى من الجرح. المسيح قام حقًّا قام!”.
كما أقيمت قداديس العيد في قرى رميش ودبل وعين ابل.