قانون الإعدام الإسرائيلي ضد الأسرى الفلسطينيين بين العدالة وكرامة الإنسان

صادق الكنيست مساء الاثنين 30 آذار/مارس 2026 على تعديل قانوني مثير للجدل يوسع إمكانية فرض عقوبة الإعدام على الأسرى الفلسطينيين في الضفة الغربية. القرار، الذي أُقرّ بأغلبية 62 صوتًا مقابل 48 معارضًا، أثار جدلًا داخليًا ودوليًا واسعًا، وسط تحذيرات من تداعياته الخطيرة ووصفه بأنه تشريع تمييزي يمس بحقوق الأسرى.
تفاصيل القانون وأهدافه
يحوّل هذا التعديل عقوبة الإعدام من خيار نظري إلى أداة قابلة للتطبيق فعليًا، إذ أصبح بإمكان المحاكم العسكرية إصدار حكم بالإعدام بأغلبية القضاة، بعد أن كان يشترط الإجماع سابقًا، ما يسهل عمليًا تنفيذ العقوبة. ويستهدف القانون الفلسطينيين المدانين بقتل إسرائيليين بدوافع تُصنّفها إسرائيل على أنها “قومية” أو “إرهابية”، مع استبعاد أي إمكانية للعفو أو تخفيف الحكم من قبل رئيس الدولة.
جاء التشريع بدفع من تيارات سياسية يمينية، يقودها وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، زعيم حزب “القوة اليهودية” اليميني المتطرف، إلى جانب نواب من حزب “إسرائيل بيتنا” القومي. وصوّت رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لصالح القانون، مؤطرًا إياه ضمن خطاب سياسي يدعو إلى تشديد العقوبات ردًّا على الهجمات الفلسطينية.
موقف الكنيسة الكاثوليكية
يكتسب موقف الكنيسة الكاثوليكية بعدًا عالميًا يتجاوز الاعتبارات المحلية.
ففي 2 آب/أغسطس 2018، أعلن البابا فرنسيس تعديلًا رسميًا على التعليم المسيحي للكنيسة، مؤكّدًا أن «عقوبة الإعدام غير مقبولة» في جميع الظروف، معتبرًا أنها انتهاك لكرامة الإنسان، وداعيًا إلى إلغائها على مستوى العالم. وقد انعكس هذا الموقف رسميًا في تعديل الفقرة 2267 من التعليم المسيحي الصادر عن الفاتيكان، ليصبح جزءًا من التعليم الكنسي المعتمد.
وفي انسجام مع هذا التوجه، يتبنى مؤتمر الأساقفة الكاثوليك في الولايات المتحدة موقفًا واضحًا يدعو إلى إلغاء عقوبة الإعدام، مؤكدًا أنها اعتداء على كرامة الإنسان حتى في حالات الجرائم الخطيرة، وأن العدالة الحقيقية ينبغي أن تقوم على حماية الحياة وفتح باب التوبة والإصلاح. وقد تُرجِم هذا الموقف في الولايات المتحدة إلى حملات ضغط وتشريعات ومرافعات قانونية ودعوات للعفو في قضايا محددة، ما يعكس انتقال الكنيسة من موقع الشاهد الأخلاقي إلى فاعل نشط في المجال العام.
البعد اللاهوتي
اللاهوت المسيحي لا يتعامل مع الحياة كقيمة نسبية، بل كعطية إلهية مطلقة. “لا تقتل” ليست مجرد وصية أخلاقية، بل مبدأ تأسيسي في فهم الإنسان وعلاقته بالله. وفق هذا المبدأ، ترى الكنيسة أن أي نظام قانوني يمنح نفسه حق إنهاء الحياة يضع نفسه في موقع إشكالي أخلاقي ولاهوتي. ويجسد الموقف الكاثوليكي تقليدًا كنسيًا طويلًا، يربط بين رفض عقوبة الإعدام والإيمان بإمكانية التغيير لدى كل إنسان. ومن هذا المنطلق، لا تتحقق العدالة إلا إذا ظل باب الرجاء مفتوحًا أمام الجميع.
الوجوه خلف الأرقام
خلف النص القانوني، تتشكل قصص لا تُرى بسهولة في البيانات الرسمية: أسرى يعيشون سنوات طويلة خلف الجدران، وعائلات معلّقة بين الرجاء والخوف، وأمهات تترقّب مكالمة أو زيارة قد تكون الأخيرة. في هذا السياق، لا تنظر الكنيسة إلى الإنسان من زاوية الجريمة وحدها، بل من زاوية كرامته غير القابلة للتفاوض. شدّد البابا فرنسيس في أكثر من مناسبة على أن “حتى من ارتكب أخطر الجرائم لا يفقد كرامته”، مؤكّدًا أن العدالة لا يمكن أن تُبنى على إغلاق باب التوبة.
وترى الكنيسة أن عقوبة الإعدام لا تضع حدًا للعنف، بل تعيد إنتاجه في شكل آخر، حيث يتحوّل النظام القضائي نفسه إلى أداة لإنهاء الحياة بدل حمايتها.
معايير دولية تحت الاختبار
الجدل الأخلاقي حول عقوبة الإعدام ليس جديدًا، لكنه يكتسب بعدًا أكثر تعقيدًا في ظل القانون الإسرائيلي الجديد. يُطرح هذا القانون في سياق نزاع طويل، حيث تثار تساؤلات جدية حول معايير المحاكمة العادلة، والتمثيل القانوني، وتكافؤ الفرص أمام القضاء.
كما يضع المسائل الأخلاقية والقانونية تحت اختبار صارم أمام المجتمع الدولي، ويثير مخاوف من تسييس القضاء والإضرار باستقلاليته، خصوصًا عندما يُنظر إلى العدالة كإطار لحماية الحقوق وضمان سيادة القانون، وليس أداة لتكريس القوة.
تاريخيًا، أكدت الكنيسة أن العقوبة يجب أن تهدف إلى الإصلاح والحماية، لا إلى الانتقام. وقد عبّر البابا يوحنا بولس الثاني بوضوح في الرسالة العامة “إنجيل الحياة” عن هذا الموقف، معتبرًا أن الحالات التي قد يكون فيها إعدام الجاني “ضرورة مطلقة” أصبحت “نادرة جدًا، إن لم تكن شبه معدومة”. ويعكس هذا التحول تطور التعليم الكاثوليكي من قبول مشروط لعقوبة الإعدام إلى رفض شبه كامل، وصولًا إلى الموقف الراهن الذي يرفض العقوبة بشكل قاطع.
العدالة والرحمة في مواجهة الموت
يضع هذا التشريع العالم العربي والفلسطيني أمام اختبار حقيقي لقيم طالما اعتُبرت راسخة: كرامة الإنسان، وقدسية الحياة، ورفض العقوبات القاسية. الكنيسة هنا لا تكتفي بموقف نظري، بل تقدّم رؤية متكاملة تربط بين العدالة والرحمة، وبين القانون والإنسان.
السؤال المطروح اليوم ليس قانونيًا فحسب، بل أخلاقي بامتياز: هل يمكن الدفاع عن نظام عدالة ينهي الحياة باسم حمايتها؟ الجواب الكاثوليكي واضح: العدالة الحقيقية لا تُبنى على الموت، بل على الاعتراف بإنسانية الآخر، والإيمان بأن الرحمة ليست بديلًا عن العدالة، بل شرطها الأساسي.