لمناسبة عيد البشارة وذكرى السيامة الكهنوتية للطوباوي البطريرك مار إسطفان الدويهي الإهدني، احتفلت الرهبنة الأنطونية، بمشاركة رعية إهدن- زغرتا، بالقداس الإلهي في دير مار سركيس وباخوس – إهدن، الذي ترأسه رئيس الجامعة الأنطونية في بعبدا الأب ميشال صغبيني، عاونه رئيس دير مار سركيس وباخوس الأب زكا قزي والأب عصام الدكاش والخورأسقف إسطفان فرنجية والأب ماجد مارون، طالب دعوى تقديس البطريرك الدويهي وتطويب خادم الله يوسف بك كرم، إلى جانب كهنة رعية إهدن- زغرتا والآباء الأنطونيين، وحشد من المؤمنين.
وألقى الأب صغبيني، عظة، قال فيها :””نقف اليوم في هذه الكنيسة المقدسة، التي تشكل أركان دير مار سركيس وباخوس، لا لنستذكر مجدا غابرا، بل لنستنشق ريح القداسة التي هبت من هنا يوم قال الشاب إسطفان الدويهي “نعم” لربّ الحصاد. إننا نجتمع في تقاطع سماوي مهيب عيد البشارة، حيث انحنت السماء لتقبّل أرضنا، وذكرى رسامة “منارة القداسة” في المكان الذي شهد انطلاقته الأولى. لكنّنا وللأسف نلتقي في ظروف استثنائية. نجتمع وصوت القذائف والحرب يتردّد صداه في قلوبنا قبل آذاننا، والقلق على الغد يخيّم على وطننا. قد نسأل: أين هي البشارة، ولبنان يتألّم؟ أين هو العيد والفرح، والمستقبل ضبابيّ؟”.
وتابع :”أعتقد أنّ الجواب، إخوتي، محفورٌ في جدران هذه الكنيسة وفي سيرة بطريركنا الطوباوي. فيوم زار الملاك مريم، لم تكن فلسطين تعيش عصرا ذهبيا بل كانت تحت نير الاحتلال والظلم. ولذلك أيضًا قال لها الملاك: “لا تخافي”.
ويوم ارتسم البطريرك الدويهي كاهنا أمام مذبح هذه الكنيسة الصغيرة كان لبنان يعتصر تحت وطأة الضيق والملاحقة. لكنه لم يخف؛ لم يهرب، لم يستسلم، بل حوّل المغاور إلى محابر، والاضطهاد إلى صمود، والجهل إلى تاريخ من نور.
اليوم، وفي ظلّ الظروف التي نعيشها، من حرب ودمار، من تعدّ وظلم، من انقسام وتشرذم، يهمس لنا الملاك من جديد: “لا تخافوا”. ويقول لنا الدويهي بصمت هذا المكان: “تشجعوا بالحق ولا تسكتوا عنه، اتكلوا على العذراء في الشفاء من الخوف”. فالبشارة هي بشارة الصمود في زمن الشدّة ونحن أبناء الرجاء، لا أبناء الفناء. وكما انطلقت من هذا المكان شرارة نهضة كنيستنا، فلتنطلق من صلاتنا اليوم صرخة إيمان بأنّ الله، الذي أخذ جسدًا من مريم، يتجسّد اليوم في أوجاعنا ليقيمنا من جديد قال الطوباوي البطريرك: “الله ما أحب خليقة وما سُرّ بخليقة كما أحبّ الإنسان الذي هو صورته”. نؤمن بأن الذي أحبّنا لن يبخل علينا بشيء”.
وقال :”نقف اليوم إذًا في بقعة جغرافية مقدّسة، حيث تتقاطع البشارة، بداية خلاصنا مع سيرة الطوباوي البطريرك الدويهي، منارة كنيستنا، في المكان الذي شهد انطلاقته الكهنوتية.
1. “نعم” مريم و “نعم” الدويهي: الاستجابة لنداء الله
ولذلك رأيت في “نعم” مريم ” و “نعم” الدويهي طاعة واستجابة لنداء الله من جهة، مجازفة ومغامرة من جهة أخرى. وكما غيّرت “نعم” العذراء مريم مجرى التاريخ البشري، كانت “نعم” الدويهي في هذه الكنيسة بالذات صرخة قيامة للكنيسة المارونية في زمن كان يسوده الجهل والاضطهاد.
فلنتذكر دائما أن الله لا يحتاج إلى كثرة عدد، بل إلى “نعم” صادقة وجريئة. مريم قبلت الكلمة في أحشائها، والدويهي قبل الكلمة في عقله وقلبه ليحوّلها إلى “منارة أقداس” وتاريخ يحفظ الهوية.
مريم هيكل الله” والدويهي “باني الهياكل”
في عيد البشارة، نعيد لمريم كأول هيكل حيّ سكن فيه الربّ. والبطريرك الدويهي اشتهر بغيرته على بيوت الله، ترميما وبناء، وعلى “الهياكل البشرية” من خلال التعليم. فلنتذكر أنّ الإيمان ليس مجرّد شعور، بل هو بناء وتجسّد. مريم قدّمت جسدها مسكنا للمسيح، والدويهي قضى حياته وهو يثبت “المناسك” والكنائس ويشرح الليتورجيا، ليبقى المسيح حاضرًا في وسطنا. فنحن اليوم نشكل “الحجارة الحية” للمسيح، ونبني هيكل الكنيسة بالثبات في الأرض، بالتمسك بالقيم، بالصمود في وجه عواصف بحر هذا العالم وحروبه.
3. “بشارة الرجاء” في زمن التحديات
كان زمن الدويهي زمن ضيق، لكنّه لم يتوقّف عن الكتابة والبحث والتقديس. وعيد البشارة هو في جوهره بشارة فرح”، هو فعل إيمان بالمستقبل رغم غموض الحاضر، “لا تخافي” يا مريم. والدويهي، رغم ملاحقته واختبائه في مغاور وادي قاديشا، لم يخف بل كتب تاريخنا بمداد من نور. لذلك إن كان الدويهي قد انطلق من هذه الكنيسة المتواضعة ليصبح “أبا التاريخ الماروني”، فنحن أيضا قادرون على صنع فرق في محيطنا مهما ضاقت السبل.
بالختام، أرجو ألا يكون هذا العيد المبارك فقط عيدًا جامعا لأبناء لبنان بل عيدًا خلاصيًا للبشرية التي فقدت الكثير من إنسانيتها، عيدًا بتحقيق خلاص الجنس البشري عبر سرّ الفداء؛ ونحن بمسلكنا في هذا الوطن أبناء هذه البشارة.
كما أرجو أن تكون ذكرى رسامة البطريرك الدويهي، لا مجرّد ذكرى نكرّرها مرّة في السنة، بل مناسبة تجعل من هذه الكنيسة “الناصرة” الخاصة بالدويهي، منها انطلق ليملأ الشرق قداسة، ومنها نرتوي لكي نملأ العالم نورًا وحقا وحياة.
أخيرا، نصلي ونطلب من العذراء مريم بكلمات الطوباوي إسطفان الدويهي: “أيتها المتوسطة بين الله وجنس البشر طوبى لروحك المقدّسة، طوبى لجسدك الطاهر، طوبى لأحشائك التي أوت ربّ القدرة، طوبي ليديك اللتين لفّتا ربّ العز”، أيتها المتوسطة بين الله وجنسنا البشري، اطردي من قلوبنا الخوف الذي يعيقنا عن المحبة والعطاء والحرية، وليعطنا ويستودعنا من حَمَلْتِه في حضنك السلام الحقيقي، سلام القلب في الكنيسة والوطن”.
وختم الأب صغبيني:”عسى أن تكون هذه المناسبة مصدر إلهام لنا جميعًا لنتأمل في حياة البطريرك الدويهي ونقتدي بإيمانه العميق، ونجد في تضحياته ومثابرته دعوة للمحبة والخدمة في حياتنا اليومية، مع الاستعانة بالقديسة مريم لتكون لنا دائمًا قدوة وسندًا في مسيرتنا الروحية”.
الرهبنة الأنطونية في إهدن احتفلت بعيد البشارة وذكرى سيامة البطريرك الدويهي






