شارك أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان الكاردينال بيترو بارولين في لقاءٍ عُقد في مجلس النواب الإيطالي، أمس الأربعاء، لتقديم كتاب جديد حول البابا لاون الرابع عشر بعنوان “من تقولون إني أنا؟ أنا ابنُ القديس أغسطينس”، من إعداد الصحفي المتخصص في الشأن الفاتيكاني إينياتسيو إنغراو والكاهن جوزيبيه باغانو. على هامش اللقاء أجاب نيافته على أسئلة الصحفيين بشأن التطورات الراهنة على الساحة الدولية، مشددا على ضرورة تحييد لبنان وأكد أن المشاكل تُحل من خلال الحوار والدبلوماسية.
وقد طرح أحد الصحفيين على الكاردينال بارولين السؤال التالي: “في حال وجدت نفسك وجهاً لوجه أمام الرئيس ترامب ماذا تقول له؟” فأجاب بأنه سيقول: “توقف في أسرع وقت ممكن لأن ثمة خطراً في التصعيد، وأطلبُ منه أن يحيَّد لبنان”. وأضاف أن الرسالة نفسها يود أن يوجهها أيضاً إلى الإسرائيليين كي يسعوا فعلاً إلى حل المشاكل الراهنة من خلال الوسائل السلمية، وسائل الدبلوماسية والحوار.
في معرض إجابته على سؤال بشأن نمط عمله إلى جانب البابا لاون الرابع عشر، قال نيافته إن التعاون مع الحبر الأعظم أمر سهل جداً، موضحاً أن ثمة حواراً يربط الرجلَين بالإضافة إلى العلاقة الطيبة القائمة بينهما. وأكد بارولين أن البابا يتمتع بميزة “الإصغاء” وهي هامة جداً بالنسبة للكنيسة، لافتا إلى أن قدرته على الإصغاء ينبغي أن تشكل أمثولة بالنسبة للجميع، داخل الكنيسة وخارجها.
في مداخلة ألقاها خلال اللقاء، توقف المسؤول الفاتيكاني عند الدعوات المتكررة للبابا من أجل بلوغ سلام منزوع السلاح ويجرّد من السلاح، وهذا هو النداء الذي أطلقه لدى انتخابه في الثامن من أيار مايو ٢٠٢٥. وما لبث يكرر هذا النداء منذ ذلك التاريخ، لاسيما في كلماته بعد تلاوة صلاة التبشير الملائكي أيام الآحاد، داعياً الأطراف المورطة في الحروب إلى إلقاء السلاح واعتماد منطق بديل وبعيد عن الربح المادي والبحث عن السلطة. وقال بارولين إن دعوات الحبر الأعظم تكتسب أهمية وقيمة كبيرتَين، لاسيما في هذه الأيام التي نشهد فيها أحداثاً مأساوية في الشرق الأوسط ومناطق أخرى من العالم، وصراعات يبدو أنها لا تعرف وقفة.
بعدها أكد أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان أن توق البابا لاون الرابع عشر إلى السلام يندرج في سياق النداءات العديدة التي أطلقها البابوات خلال القرن المنصرم. وذكّر بأن البابا بندكتس الخامس عشر حثّ الدول على عدم إعلان الحرب العالمية الأولى، واصفاً إياها بـ”مجزرة لا جدوى منها”. كما أن البابا بيوس الحادي عشر عُرف بمعارضته الشديدة لكل شكل من أشكال التوتاليتارية، فيما ناشد خلفه البابا بيوس الثاني عشر أقوياء الأرض عدم تعريض البشرية للخطر، وذلك خلال الحرب العالمية الثانية. دون أن ننسى البابا يوحنا الثالث والعشرين ورسالته العامة الشهيرة “السلام في الأرض” والبابا بولس السادس الذي كتب في رسالته العامة “ترقي الشعوب” أن “التنمية هي الاسم الجديد للسلام”. في هذا السياق يرفع لاون الرابع عشر صوته اليوم مطالباً بسلوك درب الإصغاء والحوار والمحبة.
هذا ثم تناول المسؤول الفاتيكاني في مداخلته موضوعا آخر ألا وهو “وحدة الكنيسة”. وقال إن ثمة أسباباً كثيرة تؤدي إلى الانقسامات داخل الجسم الكنسي، مضيفاً أن هناك من يريدون من الكنيسة أن تسير وراء التيارات السياسية في هذا العالم تحت شعار الانفتاح على الجميع، وثمة من يرفضون أي تقدّم باسم التقليد، ويرون في الكنيسة حصناً منيعاً. من هذا المنطلق يسلط البابا لاون الرابع عشر الضوء على أهمية الشهادة المسيحية من قبل جميع أعضاء الكنيسة ويشجع الكل على بناء الوحدة المنشودة.
وقال نيافته في هذا السياق إن البابا، وبغية الحفاظ على الشركة على المستويات كافة، يدلنا على درب الحوار التي تمرّ عبر الإصغاء الصبور لحجج الآخرين، وأكد بارولين أن درب الحوار هي الأطول لكنها وحدها قادرة على حل العقد المستعصية، مضيفاً أن لاون الرابع عشر أظهر أنه لا يخشى النقاش، تحركه الثقة بأن الانفتاح على الحوار يفتح دروباً للتلاقي والسلام.
تابع المسؤول الفاتيكاني كلمته متوقفاً عند موضوع ثالث ألا وهو “نمط الحبرية”، وقال إنه نمط مطبوع بالسينودسية التي قال عنها البابا فرنسيس إنها “وجه شركة الكنيسة” وأضاف بارولين أن لاون الرابع عشر وعندما كان لا يزال كاردينالا شارك في السينودس حول السينودسية وقدم إسهامه خلال جلسة نقاش حول الكنيسة المصغية، وبعد أن اعتلى السدة البطرسية، بدأ يتحدث عن السينودسية كنمط لإدارة شؤون الكنيسة. وقد شجع الكرادلة خلال الكونسيستوار الذي عُقد في كانون الثاني يناير الماضي، على التأمل في السينودسية كأداة تساعد البابا على القيام بخدمته. كما أن إشراك الكرادلة في هذه الخدمة، قال بارولين، ليس دليل ضعفٍ بل يظهر أن إدارة الكنيسة هي عبارة عن خدمة ولا منصب سلطة.
في ختام مداخلته في مجلس النواب الإيطالي شاء أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان أن يسلط الضوء على مقاربة البابا لاون الرابع عشر للسلام، الذي ينبغي أن يكون سلاماً مجرداً من السلاح ويجرد من السلاح، وقال إن الحبر الأعظم يقول هذه الكلمات الموزونة في لهجتها ومضمونها في زمن يبدو فيه أن صاحب الحق هو من يرفع الصوت عالياً دون أن يبرر حججه أو يضعها موضع نقاش.
وقال بارولين إن ثمة من يعتبرون أن نمط الحبر الأعظم الحالي يختلف عن نمط سلفه البابا فرنسيس، مضيفاً أنه إذا ما نظرنا إلى مسيرة الكنيسة يتضح لنا أن كل بابا مارس حبريته بطريقة مختلفة عن البابوات الذين سبقوه، كما أن كل حبر أعظم حاول الإفادة من الإرث الذي تركه أسلافه ساعياً في الوقت نفسه لتقديم إسهامه الخاص وهو يخدم الكنيسة على طريقته وهكذا تتحقق الاستمرارية.
الكاردينال بارولين يؤكد أن الصراعات الدائرة اليوم تُحل بواسطة الحوار والدبلوماسية






