المسيح الذي يأتي دائما حاملا النور ليحرر الإنسان من العمى كي يبدأ حياة جديدة. كان هذا محور عظة قداسة البابا أمس الأحد خلال ترؤسه القداس الإلهي في إطار زيارته الرعوية إلى رعية قلب يسوع الأقدس في حي بونتي مامولو في روما.
في إطار زيارته الرعوية إلى رعية قلب يسوع الأقدس في حي بونتي مامولو في روما ترأس قداسة البابا لاوُن الرابع عشر قداسا إلهيا بعد ظهر الأحد ١٥ آذار مارس. وتحدث في بداية عظته عن احتفال إفخارستي يملؤه الفرح حيث يندرج جمال هذا اللقاء في كلمات النبي أشعيا: افرحي يا أورشليم. وتابع الأب الأقدس أن هذا يدعونا إلى التأمل، فالكثير من أخوتنا وأخواتنا في العالم يعانون اليوم بسبب نزاعات عنيفة تنطلق من التطلع غير العقلاني إلى حل المشاكل والخلافات بالحرب بينما هناك حاجة إلى التحاور بدون هدنة من أجل السلام، بل وهناك مَن يقحم اسم الله في اختيار الموت هذا، لكن الله لا بعمل في الظلام بل هو يأتي دائما ليهب النور والسلام للبشرية، والسلام هو ما يجب أن يسعى إليه من يتضرعون إلى الله.
وواصل الأب الأقدس أن رسالة هذا الأحد هي أنه وبغض النظر عن أية هاوية يمكن أن يسقط فيها الإنسان بسبب خطاياه فإن المسيح يأتي ليحمل بريقا أكثر قوة قادرا على أن يحرر الإنسان من عمى الشر كي يبدأ حياة جديدة. وعاد قداسته إلى لقاء يسوع الرجل الأعمى منذ مولده وقال إن هذا اللقاء يمكن مقارنته بالولادة، فكأن الأعمى طفل جاء إلى النور فاكتشف عالما جديدا ورأى نفسه والآخرين والحياة بعينَي الله.
ودعا البابا لاوُن الرابع عشر هنا إلى التساؤل حول جوهر هذه النظرة وماذا تكشف وماذا يعني النظر بعينَي الله. وقال إنه يعني في المقام الأول، حسبما يروي يوحنا الإنجيلي، تجاوز الأحكام المسبقة لمن يرون في رجل يعاني فقط شخصا منبوذا يُزدرى أو مشكلة يجب تفاديها حابسين أنفسهم في برج الفردانية الأنانية. وتابع البابا أننا كثيرا ما نسمع عبارات تشير إلى أن الاصدقاء يكونون كثيرين ما دامت الأمور تسير بشكل جيد بينما يختفي الكثير منهم في لحظة الاختبار. يسوع لا يفعل هذا، قال الأب الأقدس، فهو ينظر إلى الأعمى بمحبة لا كشخص أدنى أو كحضور مزعج، بل كشخص عزيز في حاجة إلى مساعدة، وهكذا يصبح لقاؤهما مناسبة كي يظهر في الجميع عمل الله.
وفي المعجزة يكشف يسوع قوته الإلهية، قال البابا، ويعود الرجل الأعمى فيما يشبه استعادة لأفعال التكوين، الطين والتفال، ليُظهر بالكامل جمال وكرامة كائن مخلوق على صورة الله ومثاله، وباستعادته النظر يصبح الرجل شاهدا للنور. وواصل البابا أنه قد أصبح على هذا الرجل الاعتياد على أشياء لم يكن يعرفها من قبل، وأن يتعلم التمييز بين الألوان والاشكال وليس من السهل أن يعيد ترتيب علاقاته، بل وتزداد المواقف العدائية تجاهه ولا يملك حتى والداه الشجاعة للدفاع عنه، ويبدو وكأن القريبين منه يريدون إلغاء ما حدث. إلا أن مَن يحاكَم خلال التحقيق مع الأعمى الذي أصبح يبصر هو في المقام الأول يسوع الذي يُتهم بأنه وكي يشفي الأعمى لم يحفظ شريعة السبت.
وتابع البابا لاوُن الرابع عشر متحدثا بالتالي عن عمى مختلف وأكثر خطورة من عمى الرجل، أي عدم رؤية وجه الله القريب من قِبل مَن يستبدلون إمكانية لقاء مُخَلِّص بما يقدمه لهم من ضمان حفظُ أمور شكلية. ولا يتوقف يسوع أمام مثل هذا الغباء بل يكشف أنه ليس هناك سبت يمكنه أن يعيق فعل محبة، قال البابا وواصل موضحا أن معنى يوم السبت بالنسبة لليهود ومثل الأحد بالنسبة لنا هو بالأحرى الاحتفال بسر الحياة كعطية لا يمكن لأحد أمامها أن يتجاهل صرخة الأخوة والأخوات المعانين طالبين المعونة. وبهذا المعنى يمكن أن نكون نحن أيضا عميانا حين لا ننتبه إلى الآخرين ومشاكلهم، ويطلب منا يسوع أن نعيش بشكل مختلف وهو ما أدركته جيدا الجماعة المسيحية الأولى التي كان فيها الأخوة والأخوات، مثابرين في الصلاة، يتقاسمون كل شيء بفرح وبساطة القلب. ولم تغب في تلك الفترة أيضا المتاعب والعقبات لكنهم لم يستسلموا واجتهدوا، تدعمهم قوة عطية المعمودية، كي يعيشوا كخلائق جديدة في شركة وسلام.
وأكد الأب الأقدس لأبناء الرعية أن هذه هي الثمار التي علينا أن نأتي بها كأبناء النور، مضيفا أن رعيتهم تعيش هذه الرسالة بأمانة منذ ٩٠ سنة تقريبا مع اهتمام خاص بأوضاع الفقر والتهميش. وأضاف البابا أنه يعلم أن الرعية تساعد الكثير من القادمين من دول أخرى للاندماج وتعلم اللغة والعثور على سكن كريم وعمل نزيه ومضمون. هناك بالطبع مصاعب، واصل قداسته مشيرا إلى علمه بعمل الجميع على مواجهة التحديات من خلال هيئة كاريتاس ومركز استقبال النساء والأمهات اللواتي يواجهن مصاعب. وذكَّر البابا في الختام بحديث القديس أغسطينوس عن المحبة مشيرا إلى أن أقدامها تقود إلى الكنيسة، وأياديها تهب الفقراء وأعينها تتعرف على من هم في عوز، كما وذكَّر بدعوة القديس إلى الحفاظ على المحبة ومعانقتها، فليس هناك ما هو أكثر عذوبة منها.
عظة البابا لاوُن الرابع عشر مترئسا القداس الإلهي في رعية قلب يسوع الأقدس في حي بونتي مامولو في روما






