في روما، انطلقت أمس النسخة السادسة والثلاثون من الدورة حول الحياة الداخليّة التي تنظمها محكمة التوبة الرسولية. وفي ١٣ آذار مارس، سيلتقي المشاركون بالبابا في لقاء خاص. نائب رئيس المحكمة: “الكنيسة، الأم والمعلمة، تحتاج اليوم إلى كهنة معرفين صالحين وقديسين، مكرسين لمصالحة المؤمنين مع الله، ويدركون أن كرسي الاعتراف هو بيت رحمة”.
بدأت يوم الاثنين ٩ آذار مارس، وتستمر حتى الجمعة ١٣ آذار مارس، الدورة السادسة والثلاثون حول الحياة الداخليّة التي تنظمها محكمة التوبة الرسولية. وسيكون ذروة البرنامج اللقاء مع البابا لاون الرابع عشر صباح ١٣ آذار مارس، والاحتفال بسر المصالحة في بعد ظهر اليوم عينه. يندرج هذا الحدث في سياق تنشئة أوسع، يشدد على البعد الكنسي والروحي للتأمل الجاري. وهي موجهة بشكل أساسي للكهنة الذين يبدأون خدمتهم الرعوية وللإكليريكيين الذين يستعدون للسيامة الكهنوتية؛ ومع ذلك، فإن الدعوة موجهة أيضاً لجميع المكرسين الذين يرغبون في تعميق وتحديث معرفتهم اللاهوتية ومهاراتهم الرعوية في هذا المجال الحساس من خدمة المعرّف. في الواقع، تغطي التنشئة كلاً من البعد العقائدي والعملي، مع مراعاة التحديات الرعوية الحالية والسياق الثقافي للكنيسة المعاصرة.
وللتعمق في محتوى الدورة مع وسائل الإعلام الفاتيكانية، يتحدث المطران كريستوف يويزف نيكيل، نائب رئيس محكمة التوبة الرسولية، الذي يؤكد أولاً على جوهر المصالحة باعتبارها “ينبوع حياة تتجلى فيه قوة النعمة”: “إن مسؤولية المعرّف تجاه كل تائب هي هائلة، فما يحدث في هذه الدورة يبني الكنيسة بطريقة غير مرئية ولكنها حقيقية. إن الأمانة لهذه الخدمة الصامتة والمتواضعة هي اليوم إحدى المهام الأساسية للرعاة”. ويضيف المطران نيكيل: “إن الخدمة في كرسي الاعتراف ليست مجرد مجال واحد من مجالات النشاط الرعوي العديدة، بل هي مكان لممارسة خاصة لمهمة الكنيسة كجماعة مصالحة. وحيثما يمنح الكاهن سر التوبة بأمانة وفطنة، تحدث عملية حقيقية من التجديد الكنسي. وفي هذا الضوء، من الصعب تخيل رعاية رعوية أصيلة لا تأخذ في عين الاعتبار الخدمة في كرسي الاعتراف”. لذلك، فإن الدورة التي تنظمها محكمة التوبة الرسولية ليس لها طابع أكاديمي فحسب، بل تشكل مساراً للتنشئة المتكاملة للمعرفين. ويوضح نائب رئيس المحكمة أن الهدف هو صقل المهارات التي تتجاوز المعرفة المعيارية البحتة لأحكام القانون الكنسي. النقطة المهمة هي أنّه لا يجب على الكاهن “أن يتوقف عند المعرفة النظرية”، بل “يجب أن يكتسب القدرة على تطبيق المعايير بذكاء ومسؤولية وبشكل مناسب في مواقف الضمير المحددة، مع مراعاة تعقيد الظروف الأخلاقية والوجودية للتائب”.
ويشدد المطران نيكيل على أن الكاهن في كرسي الاعتراف لا يعمل باسمه الخاص بل “بشخص المسيح” وبموجب تفويض الكنيسة، ليصبح “أداة” لنعمة المصالحة. “إن الوعي بهذه الوظيفة التمثيلية يجب أن يولد في الكاهن موقفاً من التواضع والمسؤولية. فالمعرّف يبقى في الوقت نفسه خاطئاً وتائباً، وبالتالي فهو نفسه شخص بحاجة إلى الرحمة. وسلطته لا تنبع من الكفاءة الفكرية أو معرفة القواعد، بل من نزاهة الحياة، المتجذرة في النعمة، والأمانة للصلاة، والشركة الكنسية المتمثلة في طاعة تعليم الكنيسة”.
وبالنسبة للمطران نيكيل، يجب فهم كرسي الاعتراف كمساحة خاصة للقاء الشخص، وتاريخ حياته، والمأساة الأخلاقية، ورغبته الحقيقية في المصالحة. إنه “واقع ذو طابع فريد، يشير إلى الحياة الداخليّة”، وبالتالي “إلى البعد الأكثر حميمية في علاقة الإنسان بالله، حيث تتجلى حقيقة الضمير”. وفي هذا السياق، “تتطلب خدمة المعرّف ليس فقط كفاءة لاهوتية وقانونية، بل أيضاً نضجاً روحياً، وحساسية رعوية، ووعياً عميقاً بأنّه يسمح للكاهن بأن يدخل إلى سر الضمير البشري”. هذا المنظور يحدد أسلوباً معيناً لممارسة هذه الخدمة: “ليس سيادة، بل خدمة؛ ليس تأكيداً على الولاية القضائية، بل مسؤولية عن الخير الروحي للتائب”. ولذلك تهدف التنشئة التي تقترحها دورة محكمة التوبة إلى “تشكيل المعرّف كمرشد حكيم للضمائر، يجمع بين الأمانة للعقيدة والرحمة والقدرة على المرافقة في عملية الارتداد والمصالحة”. وفي هذا المنظور، يظهر سر المصالحة كـ “فسحة مميزة لولادة وتعزيز الرجاء المسيحي”. ويتذكر المطران نيكيل خبرة “يوبيل الرجاء” التي أظهرت “حيوية هذه الممارسة الأسرارية، خاصة في البازيليكات الرومانية، حيث لوحظت زيادة كبيرة في عدد المؤمنين الذين تقدموا للاعتراف، وغالباً بعد انقطاع طويل. ويشير إلى أن هذه الظاهرة يمكن تفسيرها كتعبير عن حاجة عميقة للتجديد الروحي والبحث عن المعنى في منظور الإيمان”.
ويضيف المطران نيكيل أنه يمكن تسمية سر التوبة بحق “سر الرجاء”، لأن “بنيته اللاهوتية تحتوي على إمكانية حقيقية لبداية جديدة”: “ففي خبرة الحل من الخطايا، لا يحصل الشخص على غفران الخطايا فحسب، بل يتم إدراجه أيضاً في الديناميكية الفصحية، التي يصفها التقليد اللاهوتي بأنها الانتقال من حالة الخطيئة إلى حياة النعمة. وهذه العملية ليس لها طابع استعراضي أو مظهر خارجي؛ بل تحدث في فسحة الضمير، في حوار التائب مع الله، بوساطة خدمة الكنيسة. ولهذا السبب تبقى الحاجة إلى معرفين مُهيَّئين، قادرين على مرافقة المؤمنين بكفاءة وفطنة في انفتاحهم على النعمة، قائمة ومستمرة”. ويشير نائب رئيس محكمة التوبة الرسولية أيضاً إلى خبرته الشخصية في الاعتراف للشباب خلال لقاء اليوبيل في روما في صيف ٢٠٢٥. ويقول: “كان العديد من التائبين لا يبحثون فقط عن الحل الأسراري، بل أيضاً عن الحوار، والنور لتمييز حياتهم، وعناصر الإرشاد الروحي. تشير هذه الظاهرة إلى أن لسر التوبة وظيفة ليست تطهيرية فحسب، بل هي أيضاً وظيفة تنشئة متكاملة، تستجيب للحاجة العميقة للمرافقة الروحية في السياق الثقافي المعاصر”.
وبالإشارة إلى تعليم البابا لاون الرابع عشر، يبرز المطران نيكيل أن السياق الثقافي المعاصر غالباً ما يترك الشخص مع خبرة من الفراغ الوجودي. ولكن في الوقت عينه، يمكن ملاحظة “استعداد متزايد للقيام ببحث ديني أكثر أصالة وعمقاً”. “مثل هذا الانفتاح، إذا واجه التعاطف والصبر والنضج الرعوي من جانب الراعي، يمكنه أن يؤدي إلى إعادة اكتشاف علاقة شخصية مع المسيح. وفي هذا النهج، يظهر كرسي الاعتراف ليس فقط كمقر للعمل القانوني للحل من الخطايا، بل كفسحة للولادة الروحية وإعادة إدماج الحياة المسيحية”. وفي ضوء هذا كلِّه، تهدف الدورة التي تنظمها محكمة التوبة الرسولية إلى إعداد الكهنة ليصبحوا “أدوات فعالة لرحمة الله”، قادرين على الجمع بين الأمانة للعقيدة والحساسية الرعوية. في الواقع، حيثما يمارس الكاهن خدمته في كرسي الاعتراف بأمانة وفطنة، “يتحقق تجديد حقيقي – وإن كان خفياً في كثير من الأحيان – للحياة الكنسية”، في الصمت والتواضع وفي مساحة لقاء الإنسان مع الآب الذي يغفر. وخلص المطران نيكيل إلى القول: “إن الكنيسة، الأم والمعلمة، تحتاج اليوم إلى كهنة معرفين صالحين وقديسين، مكرسين لمصالحة المؤمنين مع الله، يدركون أن كرسي الاعتراف هو بيت الرحمة ومكان صامت للقاء بحبه الرحيم”.
المطران نيكيل: في كرسي الاعتراف هناك عملية ولادة جديدة، ونحن بحاجة إلى معرفين مُهيَّئين






