الراعي: القلب يعتصر على ضحايا الحرب ونصلّي من أجل إيقافها واستبدالها بالمفاوضات والعمل الدبلوماسي

عظة البطريرك الكردينال مار بشارة بطرس الراعي
أحد الابن الضال
بكركي، في 8 آذار 2026
“إبني هذا كان ميتًا فعاش، وضالًا فوُجد” (لو 24:15)
1. تذكر الكنيسة المارونية في هذا الأحد الرابع من زمن الصوم الكبير مثل الابن الضال، الذي أخذ حصته من ميراث أبيه وسافر إلى بلد بعيد. يعلّمنا المعلّم الإلهي يسوع المسيح مفهوم الخطيئة والتوبة والمصالحة وثمارها. إنّه إنجيل الرحمة الإلهية.
أ. الخطيئة تبدأ بالتعلّق بالعطية ونسيان الله المعطي. هي وهم الاكتفاء بالذات، والاعتقاد بأن الإنسان يستطيع أن يعيش بعيدًا عن مصدر حياته. في الكورة البعيدة ظنّ الابن أنه وجد الحرية، لكنه اكتشف أنه فقد المعنى، وأن البعد عن بيت الآب يقود تدريجيًا إلى الفقر الداخلي، إلى الجوع، إلى انكسار الكرامة. إن الخطيئة تحمل في داخلها نتائجها، فهي تبعد الإنسان عن ذاته الحقيقية وبالتالي تبعده عن الله، إنّه “ميت وضال” (لو 15: 24).
ب. التوبة تبدأ بعبارة عميقة: “رجع إلى نفسه” (لو 15: 17). إنها لحظة نور في وسط الظلام، إنها وقوف مع الضمير صوت الله في أعماق الإنسان، إنها لحظة صدق يرى فيها الإنسان حقيقته دون تبرير أو إنكار. التوبة ليست شعورًا عابرًا بالحزن، بل قرار شجاع بالقيام. الابن لم يكتفِ بالندم، بل قال: “أقوم وأذهب إلى أبي” (لو 15: 18). في هذه الحركة تكمن قوة التوبة: إنها عودة فعليّة، اعتراف صريح، وثقة بأن الباب ما زال مفتوحًا. التوبة تعيد للإنسان وعيه ببنوّته، وتحرّره من عبودية الكبرياء، وتقوده من أرض الجوع إلى طريق الرجاء.
ج. المصالحة هي عمل الله المتمثّل بالأب الذي لا يقف منتظرًا ببرودة، بل يركض، يعانق، يقبّل ابنه، ويعيد إليه الكرامة كاملة. المصالحة ليست مجرد تسامح، بل إعادة تثبيت في البنوة، إعادة إدخال إلى البيت، والاحتفال بعودة الابن. إنها فعل حب غير مشروط، يتجاوز الحسابات البشرية. المصالحة في فكر المسيح تعني أن الله لا يكتفي بقبول التائب، بل يحتفل به.
د. ثمار المصالحة: فرح عميق يملأ البيت، سلام داخلي يستعيده القلب، كرامة تُردّ بعد أن ظُنّت ضائعة، وحياة تبدأ من جديد. “كان ميتًا فعاش، وكان ضالًا فوُجد”. هذه العبارة تختصر ثمار المصالحة: انتقال من الموت إلى الحياة، من الضياع إلى الاكتشاف، من العزلة إلى الشركة. المصالحة لا تمحو الماضي فقط، بل تحوّله إلى بداية جديدة، وتجعل الإنسان شاهدًا لرحمة الله.
2. يسعدني أن أرحّب بكم جميعًا، والقلب يعتصر على ضحايا الحرب الدائرة بين حزب الله وإسرائيل وعلى الدمار في البيوت والمؤسسات والبنى التحتية في جنوب لبنان وضاحية بيروت الجنوبية، وقضاء بعلبك. فإنّا نصلّي من أجل إيقاف هذه الحرب وسائر الحروب واستبدالها بالمفاوضات ووقف النار والحوار والعمل الديبلوماسي. نصلّي من صميم قلوبنا من أجل إحلال السلام العادل والشامل والدائم، فالسلام عطية ثمينة من الله. وأوجّه تحيّة خاصّة إلى وفد بلدة عين إبل الجنوبية العزيزة. ونؤكّد لهم قربنا منهم وتضامننا معهم في مأساتهم وقلقهم على المصير. لكنّنا نجدّد معهم إيماننا بالله وبأمّنا مريم العذراء والقديس شربل وسائر قدّيسينا.
3. تضعنا الكنيسة اليوم أمام إنجيل الرحمة بامتياز، في مثل الابن الضال. فالليتورجيا تدعونا إلى التأمل في سرّ الله الآب الذي ينتظر عودة الإنسان. في كل احتفال إفخارستي نعيش هذا اللقاء مع رحمة الله. نأتي بما في حياتنا من ضعف، ونسمع كلمة الإنجيل التي تدعونا إلى العودة، ثم نتقدّم إلى المائدة المقدسة حيث يمنحنا المسيح ذاته حياة جديدة. وهكذا تصبح الكنيسة بيت الآب الذي يجمع أبناءه، والإفخارستيا علامة المصالحة والفرح بعودة الإنسان إلى الله.
4. عِنْدَمَا نُتَأَمَّلُ رحيل الاِبْنِ الضَّالِّ نَكْتَشِفُ أَنَّ اِبْتِعَادَهُ لَم يَكُن خَسَارَةً وَاحِدَةً بَل سِلْسِلَةً مِنَ الخَسَائِرِ الوجوديّة. أَوَّلُ هٰذِهِ الخَسَائِرِ هُوَ فُقْدَانُ الهُوِيَّةِ؛ فَالإِنْسَانُ فِي عَلاقَتِهِ بِاللهِ يَكْتَشِفُ أَنَّهُ اِبْنٌ، أَمَّا عِنْدَمَا يَبْتَعِدُ عَنْهُ فَيَفْقِدُ مَعْنَى بُنُوَّتِهِ. لِهٰذَا يَقُولُ الاِبْنُ الضَّالُّ عِنْدَ عَوْدَتِهِ: «لَسْتُ مُسْتَحِقًّا بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا» (لوقا ١٥: ١٩). أَمَّا الخَسَارَةُ الثَّانِيَةُ فَهِيَ فُقْدَانُ الحُرِّيَّةِ؛ فَالشَّابُّ الَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ذَاهِبٌ لِيَعِيشَ حُرًّا وَجَدَ نَفْسَهُ فِي عُبُودِيَّةٍ، إِذْ يَقُولُ الإِنْجِيلُ: «فَالْتَصَقَ بِوَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الكُورَةِ فَأَرْسَلَهُ إِلَى حُقُولِهِ لِيَرْعَى خَنَازِيرَ» (لوقا ١٥: ١٥). هُنَا يَتَحَوَّلُ حُلْمُ الحُرِّيَّةِ إِلَى مَذَلَّةٍ. أَمَّا الخَسَارَةُ الثَّالِثَةُ فَهِيَ فُقْدَانُ الكَرَامَةِ؛ فَرِعَايَةُ الخَنَازِيرِ فِي الثَّقَافَةِ اليَهُودِيَّةِ كَانَتْ رَمْزًا لِلسُّقُوطِ الأَخْلاَقِيِّ وَالطَّهَارِيِّ. وَالخَسَارَةُ الرَّابِعَةُ هِيَ فُقْدَانُ الشِّبَعِ الرُّوحِيِّ؛ إِذْ يَقُولُ النَّصُّ: «وَكَانَ يَشْتَهِي أَنْ يَمْلَأَ بَطْنَهُ مِنَ الخَرْنُوبِ الَّذِي كَانَتِ الخَنَازِيرُ تَأْكُلُهُ فَلَمْ يُعْطِهِ أَحَدٌ» (لوقا ١٥: ١٦). وَالخسارة الخامسة هي فُقْدَانُ الشَّرِكَةِ؛ فَالإِنْسَانُ الَّذِي يَبْتَعِدُ عن الله يجد نفسه في عزلة قاتلة.
5. مع عودة الابن الضال الى الحضن الوالدي، تَتَحَوَّلُ خساراته الخمسة إِلَى خَمْسَةِ أَرْبَاحٍ عَظِيمَةٍ. فَالأَبُ لا يَسْتَقْبِلُ الاِبْنَ كَخَادِمٍ بَل يُعِيدُهُ اِبْنًا، إِذْ يَقُولُ: «أَخْرِجُوا الحُلَّةَ الأُولَى وَأَلْبِسُوهُ، وَاجْعَلُوا خَاتَمًا فِي يَدِهِ وَحِذَاءً فِي رِجْلَيْهِ» (لوقا ١٥: ٢٢). فَالحُلَّةُ رِمْزُ الكَرَامَةِ، وَالخَاتَمُ رِمْزُ السُّلْطَانِ وَالاِنْتِمَاءِ، وَالحِذَاءُ رِمْزُ الحُرِّيَّةِ، أَمَّا الوَلِيمَةُ فَهِيَ رِمْزُ الشَّرِكَةِ وَالفَرَحِ. هُنَا يَظْهَرُ وَجْهُ اللهِ كَأَبٍ يَفْرَحُ بِعَوْدَةِ أَبْنَائِهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَفْرَحُ بِبَقَائِهِمْ فِي البَيْتِ.
6. إِنَّ مَثَلَ الاِبْنِ الضَّالِّ لَا يَكْشِفُ فَقَطْ عَن خَطِيئَةِ الاِبْنِ الصَّغِيرِ، بَل يَكْشِفُ أَيْضًا عَن خَطِيئَةِ الاِبْن الأَكْبَر. فَهُوَ بَقِيَ فِي البَيْتِ جَسَدًا لٰكِنَّهُ كَانَ بَعِيدًا قَلْبًا. فَهُنَا يَكْشِفُ الإِنْجِيلُ أَنَّ القُرْبَ الحَقِيقِيَّ مِنَ اللهِ لَا يُقَاسُ بِالمَكَانِ بَل بِحَالِ القَلْبِ، وَلَا بِالمدّةِ الَّتِي يقضيها الإِنْسَانُ فِي بَيْتِ الأبِ بَل بِقُدْرَتِهِ عَلَى أَنْ يَفْرَحَ بِرَحْمَته. فَالأَخُ الأَكْبَرُ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ البَيْتِ كَمَا خَرَجَ أَخُوهُ، وَلٰكِنَّهُ خَرَجَ مِنْ فَرَحِهِ بعودته.
رَأَى القِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَنَّ الاِبْنَ الأَكْبَرَ يُمَثِّلُ كُلَّ مَنْ يَتَّكِلُ عَلَى بَرِّهِ الذَّاتِيِّ، فَيَظُنُّ أَنَّهُ بِخِدْمَتِهِ لِلَّهِ قَدِ اسْتَحَقَّ نِعْمَتَهُ. وَلِذٰلِكَ كَتَبَ: «كَثِيرُونَ يَبْقَوْنَ فِي بَيْتِ الآبِ جَسَدًا وَلٰكِنَّهُمْ بَعِيدُونَ بِقُلُوبِهِمْ، لأَنَّهُمْ لَا يَفْرَحُونَ بِرَحْمَةِ اللهِ لِلخَاطِئِ».
وَيُضِيفُ القِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ أَنَّ خَطِيئَةَ الأَخِ الأَكْبَرِ لَيْسَتْ فِي طَاعَتِهِ بَل فِي عَدَمِ فَرَحِهِ، فَالطَّاعَةُ الَّتِي لَا تَحْمِلُ فِي دَاخِلِهَا رُوحَ المَحَبَّةِ تَتَحَوَّلُ إِلَى شَكْلٍ مِنَ العُبُودِيَّةِ، وَمِنْ هُنَا قَوْلُهُ: «هَا أَنَا أَخْدِمُكَ منذ سِنِين» (لوقا ١٥: ٢٩)، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ «أُحِبُّكَ» بَل «أَخْدِمُكَ». وَيَكْشِفُ هٰذَا المَشْهَدُ أَنَّ الخَطِيئَةَ لَيْسَتْ دَائِمًا خُرُوجًا صَاخِبًا نَحْوَ «كُورَةٍ بَعِيدَةٍ» (لوقا ١٥: ١٣)، بَل قَدْ تَكُونُ صَمْتًا قَاسِيًا يَقِفُ عَلَى عَتَبَةِ البَيْتِ وَيَرْفُضُ أَنْ يَدْخُلَ إِلَى فَرَحِ الرَّحْمَةِ. فَالأَخُ الأَكْبَرُ لَمْ يَسْقُطْ فِي بَذْخٍ وَلَا فِي تَبْذِيرٍ، بَل سَقَطَ فِي شَيْءٍ أَخْطَرَ، سَقَطَ فِي عَدَمِ القُدْرَةِ عَلَى الفَرَحِ بِخَلاَصِ أَخِيهِ.
وَيَرَى القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ أَنَّ هٰذِهِ هِيَ خَطِيئَةُ الحَسَدِ، وَهِيَ مِنْ أَخْطَرِ خَطَايَا القَلْبِ، لأَنَّهَا «تَحْزَنُ لِلخَيْرِ الَّذِي يَنَالُهُ الآخَرُونَ».
7. نصلّي اليوم، أيها الإخوة والأخوات الأحبّاء، من أجل كل إنسان بعيد عن الله، كي يجد طريق العودة. من أجل كل عائلة مجروحة، كي تنال نعمة المصالحة. من أجل وطننا، كي يحفظه الله من حالة الحرب ومن كل اعتداء، ولكي يمنحنا الرب قلوبًا تائبة، وأيادي ممدودة، ونفوسًا متواضعة. فنرفع المجد والتسبيح للآب والابن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين.