الراعي : الوحدة لا تعني إلغاء الخصوصيات، ولا طمس التقاليد، ولا إذابة الهويات.

كلمة البطريرك الكردينال مار بشارة بطرس الراعي
ختام أسبوع الصلاة من أجل وحدة المسيحيين
كاتدرائية الملاك رافائيل الكلدانية
الحازمية – 25 كانون الثاني 2026
“إنّ الجسد واحد، والروح واحد، كما دُعيتم أيضًا برجاء دعوتكم الواحد”
(أف 4: 4)
1. ليست هذه الآية مجرّد شعار ليتورجي، ولا عبارة تُتلى في مناسبة عابرة، بل هي إعلان إيمان، وموقف كنسي، وخارطة طريق روحية. إنها تختصر جوهر الدعوة المسيحية، وتضعنا جميعًا، كنائس ومؤمنين، أمام مسؤولية لا يمكن الهروب منها أو تأجيلها.
حين يقول بولس الرسول إن “الجسد واحد”، فهو لا يتحدث عن اتفاق شكلي أو انسجام ظاهري، بل عن وحدة عضوية حيّة، وحدة كيان، وحدة حياة. وحين يؤكّد أن “الروح واحد”، فهو يعلن أنه مصدر القداسة، ومحرّك الكنيسة، ونَفَسها العميق، لا يتجزأ ولا يتناقض. وحين يربط كل ذلك “برجاء الدعوة” الواحد، فهو يكشف أن مستقبلنا واحد، وأن شهادتنا واحدة، وأن طريقنا، مهما تنوّعت مساراته، يقود إلى هدف واحد.
2. يسعدنا أن نختتم معًا أسبوع الصلاة من أجل وحدة المسيحيين في كاتدرائية الملاك رافائيل الكلدانية، هذا المكان الذي يشهد على إيمان متجذّر، وعلى كنيسة عرفت الألم والثبات، والانكسار والرجاء. وجودنا معًا هنا هو بحد ذاته علامة، ورسالة، وتعبير حيّ عن شوقنا العميق إلى الوحدة التي نصلي من أجل تحقيقها.
3. إنّ وحدة المسيحيين ليست مشروعًا بشريًا، ولا نتيجة مفاوضات، ولا ثمرة تنازلات متبادلة، بل هي قبل كل شيء عطية من الله، تُطلب بالصلاة، وتُحفظ بالتواضع، وتُعاش بالمحبة. لذلك نصلّي. ونكرّس أسبوعًا كاملًا للصلاة. لأننا نؤمن أن ما لا تصنعه الخطط، تصنعه النعمة، وما لا تحقّقه الإرادات الحسنة، يحقّقه الروح القدس.
الوحدة لا تعني إلغاء الخصوصيات، ولا طمس التقاليد، ولا إذابة الهويات. الوحدة تعني أن نلتقي في الأساس، في الجوهر، في المسيح نفسه. تعني أن نختلف دون أن نتخاصم، وأن نغتني دون أن نتناحر، وأن نشهد معًا دون أن نتنازع على من يملك الحقيقة، لأن الحقيقة تملكنا جميعًا.
أن نصلّي من أجل وحدة المسيحيين يعني أن نعترف أولًا بأن الانقسام جرح في جسد المسيح. ويعني ثانيًا أن نقرّ بأن هذا الجرح لا يُشفى بالكلام، بل بالعودة إلى الروح الواحد. ويعني ثالثًا أن نلتزم، كلٌّ من موقعه، أن يكون صانع وحدة لا صانع انقسام، وجسر لقاء لا سبب عثرة.
البعد الليتورجي لهذه الصلاة عميق وجوهري. فالليتورجيا هي المكان الذي فيه تتجسّد الوحدة بأبهى صورها: كلمة واحدة تُعلَن، جسد واحد يُكسَر، كأس واحدة تُرفَع، وروح واحد يُصلّى له. في الليتورجيا نتعلّم أن الوحدة ليست نظرية، بل ممارسة. وليست فكرة ذهنية، بل شركة حيّة.
4. في وطننا لبنان، حيث التنوّع نعمة ورسالة، تصبح وحدة المسيحيين ضرورة وجودية، لا ترفًا فكريًا. انقسامنا يضعف حضورنا الوطني، ويشوّه رسالتنا التاريخية، ويجعل صوتنا خافتًا في زمن يحتاج إلى شهادة واضحة. بوحدتنا نقوى في هذا الوطن، وبتشرذمنا نضعف. بوحدتنا نفعل ونبني، وبتفرّقنا نتراجع ونتآكل.
لبنان لا يحتاج إلى مسيحيين متنازعين، بل إلى مسيحيين متّحدين حول القيم، حول الكرامة الإنسانية، حول العدالة، حول الحقيقة. وحدة المسيحيين ليست فقط شأنًا كنسيًا، بل مساهمة أساسية في استقرار الوطن، وفي حماية رسالته، وفي تثبيت رجائه.
الصلاة من أجل الوحدة هي فعل وطني بقدر ما هي فعل إيماني. لأن من يتعلّم أن يكون واحدًا في الكنيسة، يستطيع أن يكون صانع وحدة في المجتمع. ومن يتربّى في الكنيسة على قبول الآخر في الإيمان، يستطيع أن يكون جسر تلاقٍ في الوطن.
لذلك نوسّع اليوم صلاتنا، فنصلّي من أجل وحدة الكنائس، ووحدة القلوب، ووحدة الشهادة، ووحدة الموقف، ووحدة الرجاء. نصلّي من أجل الرعاة، ومن أجل المؤمنين، ومن أجل كل من يشعر بأن الانقسام أصبح عبئًا، وبأن الوحدة باتت حاجة ملحّة. نصلّي لأننا نؤمن أن المستحيل غير موجود عند الله. نصلّي لأن الصلاة تغيّر القلوب قبل أن تغيّر الواقع.
نختم هذا الأسبوع بالصلاة والدعاء من أجل وحدة المسيحيين، لأن وحدتنا قوّتنا، وحدتنا بقاؤنا، ووحدتنا شهادتنا أمام العالم.