في سفارة إيطاليا لدى الكرسي الرسولي، شارك أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان للعلاقات مع الدول والمنظمات الدولية في حوار بعنوان “جبهة مشتركة من أجل الكرامة الإنسانية: منع تسليع النساء والأطفال في تأجير الأرحام”، ووصف هذه الممارسة بأنها “شكل جديد من أشكال الاستعمار” يضع مصلحة البالغين في المركز بدلاً من مصلحة الأطفال.
إنشاء جبهة مشتركة للحد من تسليع النساء والأطفال المتأصل في تأجير الأرحام، “شكل جديد من أشكال الاستعمار” يستغل الأجساد ويفرغ العلاقات من محتواها. ممارسة وصفها البابا فرنسيس بأنها “مستهجنة”، لأنها تختزل الشخص إلى “منتج”، كما أكد البابا لاوُن الرابع عشر مندداً بمنطق يضع رغبة البالغين في المركز ويضحي بمصلحة الصغار. حول هذا الموضوع، دار الحوار بين أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان للعلاقات مع الدول والمنظمات الدولية رئيس الأساقفة بول ريتشارد غالاغير، وأوجينيا ماريا روتشيلا، وزيرة العائلة والولادات وتكافؤ الفرص الإيطالية. عُقد اللقاء في روما بمقر السفارة الإيطالية لدى الكرسي الرسولي، وافتتح بكلمات ترحيبية من السفير الإيطالي فرانشيسكو دي نيتو، وسفير قبرص وعميد السلك الدبلوماسي جيورجيوس بوليديس.
في كلمته، شدد رئيس الأساقفة غالاغير أولاً على أن قضية تأجير الأرحام تهم “البشرية جمعاء”، واستشهد بكلمات البابا لاوُن الرابع عشر في خطابه أمام السلك الدبلوماسي في ٩ كانون الثاني يناير الماضي. وكان الحبر الأعظم قد وصف حينها تأجير الأرحام بأنه ممارسة “تحول الحمل إلى خدمة قابلة للتفاوض، وتنتهك كرامة الطفل -الذي يُختزل إلى “منتج”- والأم، من خلال استغلال جسدها وعملية التوليد، وتغيير مشروع العلاقات الأصلية للعائلة”. وذكر غالاغير أن هذا الموقف ليس معزولاً، فقد سبق للبابا فرنسيس أن وصف الممارسة بأنها “مستهجنة” وتقوم على “استغلال حالة الحاجة المادية للأم”. وفي تفصيل الأمر، أشار المطران غالاغير إلى أن “تسليع الشخص” هو العقدة المركزية التي تجعل تأجير الأرحام منافياً للكرامة الإنسانية. وأوضح أن الشخص لا يمكن اختزاله في كونه مادة للمعاملات التجارية، حتى عندما تُقدم هذه الممارسة كبادرة سخاء. واعتبر أنه بعيداً عن الصيغ القانونية، لا يمكن التغاضي عن الواقع: إنها عملية بيع لطفل، يُسلم للمشترين بموجب عقد يركز على مصالح البالغين. كما لفت الانتباه إلى تأثير ذلك على جسد المرأة، الذي يُختزل إلى مجرد أداة إنجابية، مما يطمس البعد الوجودي والغير قابل للنقل لفترة الحمل. ولاحظ أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان للعلاقات مع الدول والمنظمات الدولية أن جزءاً من العالم النسوي يندد أيضاً بهذه الممارسة لكونها تحول المرأة إلى مجرد “حاضنة”.
ومن هنا جاءت الدعوة لمواجهة السردية “السطحية” التي تروج لتأجير الأرحام، والتي تضخمها أحياناً نماذج من عالم المشاهير. فبدلاً من أن تمثل “تقدماً”، فهي تشكل “شكلاً جديداً من أشكال الاستعمار” تغذيه آليات السوق التي تشجع استغلال الفئات الأكثر ضعفاً. وأكد أن الموافقة الرسمية للمرأة ليست “ضمانة” ضد الانتهاك، فغالبًا ما تُوقع الاتفاقيات تحت “ضغط اقتصادي”. وفيما يخص الحلول الممكنة، ذكر أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان للعلاقات مع الدول والمنظمات الدولية أن دولاً كثيرة قد حظرت هذه الممارسة، لكنه انتقد التوجه الدولي في “مؤتمر لاهاي للقانون الدولي الخاص” الذي يميل نحو “تنظيم” الظاهرة بدلاً من حظرها. وهو الطريق الذي رفضت إيطاليا سلوكه، حيث تبنت منذ عام ٢٠٢٤ قانوناً يمدد تجريم تأجير الأرحام حتى لمن يلجأ إليه في الخارج. ورأى المطران غالاغير أن وضع إطار قانوني دولي سيكون “غير كافٍ ونتائجه عكسية” لأنه سيعزز الطلب، مما سيؤدي إلى “توليد المزيد من الأطفال المخصصين للبيع”. وخلص إلى أن الرد المتسق الوحيد هو إلغاء هذه الممارسة نهائياً.
وفي ختام كلمته، ورداً على سؤال من الصحفية سوزانا ليما، أشار أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان للعلاقات مع الدول والمنظمات الدولية إلى أن البشرية تكتسب فهماً أعمق للحقائق الاجتماعية والأخلاقية تدريجياً؛ فقبل قرون كانت هناك ممارسات مقبولة نعتبرها اليوم غير إنسانية. وأكد أن مجرد امتلاك الإمكانيات المادية لا يمنح أحداً الحق في الحصول على طفل، فالطفل يبقى “عطيّة من الله”. كما شدد على أهمية العمل الدولي المشترك لمنع انتشار هذه الانتهاكات، مؤكداً التزام الكرسي الرسولي بالدفاع عن حقوق الأطفال وضمان حمايتهم، واختتم قائلاً: “سنمضي قدماً في تقديم رسالة الرجاء هذه، والكنيسة باقية دائماً على هذا الالتزام”.
تأجير الأرحام، المطران غالاغير: لا يمكن أن يكون الشخص موضوعًا لعملية تجارية






