18تموز 2026 — “الكرامة الإنسانية في قلب الرعاية الصحية”

في مبادرة فريدة ترسم أفقاً جديداً في مجال العمل الصحي والروحي، نظّمت اللجنة الأسقفية لراعوية الصحة في لبنان “يوم التنشئة والمرافقة لمقدمي الرعاية الصحية”، الذي جمع ممثلين عن 11 مستشفى كنسياً ومؤسسة صحية في رحاب دير سيدة بزمار التاريخي، وهي: مستشفى تل شيحا، المركز الطبي في بحنس، المركز الطبي في بيت شباب، مستشفى القديس شارل، أوتيل ديو دو فرانس، مستشفى الصليب للأمراض النفسية (دير الصليب)، مستشفى القديس يوسف – الدورة، مستشفى المطران قرطباوي، مستشفى سيدة السلام – القبيات، المركز الطبي سيدة زغرتا، ومستشفى سيدة المعونات – جبيل.
افتُتح النهار بكلمة ترحيبية لسيادة المطران كريكور باديشاه، رئيس اللجنة الأسقفية لراعوية الصحة، عبّر فيها عن شكره لإدارة الدير والآباء الأفاضل على حسن الاستضافة، مؤكداً أن هذا الجمع يعكس “غنى الكنيسة الحقيقي” الذي يترجم إنجيل المحبة إلى أفعال ملموسة، ومشدداً على أن الكرامة الإنسانية في قلب الرعاية الصحية هي ممارسة يومية تبدأ بالنظرة والكلمة الطيبة وتكتمل بالرعاية الفائقة والتنشئة المستمرة.
وقبل الانطلاق في المحاور التدريبية، قادت الأخت ريتا زيادة، منسقة المشروع، تمريناً تفاعلياً خُصص للتأمل في مفهوم “اللقاء بالآخر” ، محفّزةً المشاركين على تخصيص الوقت والبحث عن بعضهم البعض والتواصل الفعّال. ومن خلال هذا التمرين المميّز، أضاءت الأخت ريتا على أهداف اليوم التدريبي وأهميته الروحية والإنسانية، مما هيّأ النفوس والعقول واستنفر طاقات الحاضرين لاستقبال فعاليات النهار بروح متفتحة ورغبة صادقة في التفاعل.
عقب ذلك، انطلقت الفعاليات المحورية بمحاضرة ألقاها السيد روك الأشي (Rock El Achy) بعنوان “La dignité humaine au cœur du soin”، حيث غاص في مفهوم الكرامة الإنسانية الجوهرية التي لا تُسلب من المريض مهما بلغت حالة ضعفه أو مرضه. وقد استعرض السيد روك مجموعة من الحالات الواقعية واليومية من داخل أروقة المستشفيات، وفتح باب النقاش والتفاعل مع الحاضرين حول هذه الحالات التي تطرقت إلى مواقف إنسانية دقيقة تُظهر أهمية الإصغاء، والتعاطف، واحترام خصوصية المريض والمحافظة على كرامته في لحظات الخوف والضعف والانتظار.
ومع حلول الظهيرة، توّج الحاضرون لقاءهم بالالتفاف حول مائدة الإفخارستيا، حيث احتفلوا بالذبيحة الإلهية التي ترأسها الأب نبيل شحاتة اليسوعي بمشاركة سيادة المطران كريكور باديشاه. وفي عظة وجدانية عميقة، استلهم الأب شحاتة أبعاد الخدمة من “نشيد المحبة” في رسالة القديس بولس الأولى إلى أهل كورنثوس، مؤكداً أن المحبة ليست مجرد عاطفة عابرة، بل هي جوهر الرعاية وركنها الأساسي. وأوضح أنه مهما بلغت الكفاءات والمهارات والتقنيات الطبية من تطور، فإنها تفقد كل قيمتها الروحية والإنسانية إذا خلت من الصبر والتحمل وطول الأناة في التعامل مع المريض بلحظات ضعفه؛ فالمحبة الحقيقية هي التي تحوّل العمل اليومي من مجرد وظيفة إلى رسالة قدسية تُعاش بالبذل والتضحية.
وبعد غداء الأخوة والمودة، توزّع المشاركون على مجموعات عمل وتدريب شملت نشاطات تفاعلية مع “Najjar Academy” وورش عمل في العلاج بالدراما (Drama therapy) والتعبير المسرحي والمحاكاة لتعزيز قدرات التواصل والإصغاء لدى الطواقم الصحية. وقبل المغادرة، قام الحاضرون بجولة استطلاعية في أرجاء دير سيدة بزمار، شملت الكنيسة والمتحف والخمارة، حيث تعرّفوا على تاريخ الدير العريق برفقة المطران كريكور والأب ناريك لويسيان، نائب رئيس الدير والمسؤول عن المتحف.
وقد اختُتم اليوم بأجواء من الفرح العارم والارتياح الكبير من قِبل جميع الحاضرين، الذين أثنوا على هذه المبادرة الاستثنائية وعلى الأثر العميق الذي تركته في نفوسهم، معربين عن أملهم في تكرار مثل هذه اللقاءات والتنشئات المباركة مستقبلاً.