وثيقة لاهوتية تدعو إلى التحول البيئي وحماية البيت المشترك

في وثيقة بعنوان “العناية ببيتنا المشترك – استجابة مسؤولة وأخوية لله الثالوث”، تطرح اللجنة اللاهوتية الدولية رؤية مسيحية متكاملة تجاه الأزمة البيئية والاجتماعية التي يواجهها العالم اليوم.
الوثيقة، التي نُشرت صباح الأربعاء بإذنٍ من البابا لاون الرابع عشر، جاءت ثمرة تأملات امتدت بين عامي ٢٠٢٢ و٢٠٢٥، وتنطلق من سؤال أساسي ألا وهو: كيف يمكن للمسيحيين أن يستجيبوا للأزمة البيئية والاجتماعية، لا باعتبارها قضية تقنية أو سياسية فحسب، بل باعتبارها أيضاً قضية ترتبط بالإيمان وبالعلاقة مع الله؟
تقول اللجنة إن البشرية وصلت إلى مرحلة مقلقة نتيجة ما تصفه بثلاثة تحولات أساسية. أولاً فقدان النظرة الطبيعية إلى العالم باعتباره خليقة لله، وثانياً انتشار رؤية تتمحور حول الإنسان بطريقة قد تتحول إلى علاقة افتراس وسيطرة على الطبيعة، وثالثاً تفاقم الأزمة البيئية على مستوى الكوكب بأسره. من هنا، تؤكد الوثيقة أن البيئة ليست موضوعاً منفصلاً عن حياة الإنسان أو عن إيمانه، بل تتعلق بطريقة تعامل الإنسان مع الخليقة وتكشف أيضاً طبيعة علاقته بالله وبالآخرين.
وفي إطار شعار واضح يمكن اختصاره بالعبارات التالية: “لا أحد يعيش منفرداً وكل شيء مترابط”، تشرح اللجنة أن الخليقة تحمل، بحسب الرؤية المسيحية، بصمة إلهية وثالوثية. وتستند الوثيقة في هذا الجانب إلى أفكار أربعة من كبار معلمي الكنيسة، هم أوغسطينوس، وهيلدغارد من بينغن، وبونافنتورا، وتوما الأكويني. وترى أن الخليقة ليست مجرد مادة موجودة حول الإنسان، بل تحمل دلالة أعمق، وتدعو الإنسان إلى بناء علاقات متوازنة مع الله، ومع الآخرين، ومع العالم الذي يعيش فيه.
هذا التوازن، بحسب الوثيقة، يظهر في ثلاثة أبعاد مترابطة: مجانية الإنسان البنوية تجاه الله؛ التضامن والرحمة تجاه القريب؛ والعناية بالبيت المشترك. فالإنسان ليس جزيرة منفصلة، وأي كائن أو أي جزء من الخليقة ليس قائماً بمعزل عن الآخرين، بل الجميع يشكلون مجتمعاً واحداً للحياة. وتتوقف الوثيقة أيضاً عند العلاقة بين العلم والإيمان في فهم أصل الكون. فهي تميّز بين السؤال العلمي عن كيفية نشوء العالم، والسؤال الإيماني عن سبب وجوده. فالعلم يبحث بصورة مشروعة في المراحل الأولى للكون، بينما تقدم العقيدة المسيحية تفسيراً ميتافيزيقياً لوجود الخليقة، باعتبار أن الله هو الذي دعا الموجودات إلى الوجود بحرية.
بعدها تنتقل الوثيقة إلى الإنسان داخل البيت المشترك. وتذكّر بأن الإنسان مخلوق على صورة الله ومثاله، وأن الاختلافات بين البشر، سواء كانت في الأصل أو الثقافة أو الجنس أو المكانة الاجتماعية والاقتصادية، لا تعني وجود مراتب إنسانية متفاوتة.
أما على صعيد التدهور البيئي، ترسم اللجنة صورة شديدة القلق. فهي تشير إلى تراجع التنوع البيولوجي، وتدهور جودة الهواء والمياه، وإلى الآثار المدمرة للحروب على البيئة، إضافة إلى التأثيرات القاسية التي يتحملها الفقراء بصورة خاصة. فالفئات الأكثر فقراً، كما تؤكد الوثيقة، غالباً ما تكون الأكثر عرضةً لاستنزاف الموارد الطبيعية ولنتائج التدهور البيئي، وقد تجد نفسها مضطرة إلى الهجرة بسبب تراجع الظروف التي تسمح لها بالعيش.
من هذا المنطلق لا تكتفي اللجنة بالدعوة إلى حلول علمية وتقنية، رغم أهميتها، بل تدعو إلى تغيير أعمق في أنماط الإنتاج والاستهلاك والنقل واستخدام الطاقة، وإلى تحول في القيم الثقافية وطريقة الحياة نفسها. كما تصف هذا التحول بأنه “توبة أو اهتداء بيئي”، أي إعادة النظر في الطريقة التي يعيش بها الإنسان ويستهلك ويتعامل بها مع الطبيعة. وتذهب الوثيقة إلى استخدام تعبير لاهوتي قوي ألا وهو “الخطيئة ضد الخليقة وضد الخالق”، لتربط بين الأضرار التي تلحق بالبيئة وبين رفض المسؤولية التي يضعها الإيمان على عاتق الإنسان.
وبذلك، لا تريد اللجنة اللاهوتية الدولية أن تبقى المسؤولية البيئية محصورة في لغة علمية مثل الإبادة البيئية، ولا أن تضيع المسؤولية بين الأفراد والمؤسسات والدول. بل تؤكد أن المرحلة الراهنة تستدعي تحركاً عاجلاً من الجميع، وخصوصاً من المسؤولين عن الحياة العامة، من أجل استدامة الكوكب والحفاظ على قابلية البيت المشترك للحياة. وهذه المسؤولية ليست أخلاقية فقط بل هي لاهوتية أيضاً.
في الخلاصة، تعود الوثيقة إلى فكرتها المركزية “القضية البيئية هي قضية لاهوتية” مؤكدة أن طريقة الإنسان في التعامل مع الخليقة لا تعكس فقط موقفه من البيئة، بل تكشف أيضاً شكل علاقته بالله وبالإنسان وبالحياة. ولهذا تدعو اللجنة إلى تحول بيئي وثقافي وروحي، مستلهم من نموذج القديس فرنسيس الأسيزي، وإلى الانتقال من الاستهلاك والسيطرة إلى المسؤولية والاعتدال والأخوة.
وعلى الرغم من خطورة الأزمة، شاءت اللجنة اللاهوتية الدولية أن تختم الوثيقة برسالة رجاء مشيرة إلى أن الأزمة البيئية، مهما بلغت حدتها، لا تلغي الثقة بالله، وبقدرته على تجديد الخليقة وجعل كل شيء جديداً. من هذا المنطلق لا بد من النظر إلى الأرض لا باعتبارها مجرد مورد للاستهلاك، بل باعتبارها بيتاً مشتركاً ومسؤولية مشتركة، وأمانة أخلاقية وروحية تقع على عاتق الإنسان اليوم وعلى عاتق أجيال المستقبل.