من مقر *اليونسكو* بباريس، البابا يدعو لجعل التقدم العلمي والتكنولوجي في خدمة الكرامة الإنسانية والسلام

في كلمته في منظّمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة البابا لاوُن الرابع عشر يؤكّد أن مستقبل البشرية يرتكز على صون الكرامة والعدالة، ويحذّر من مخاطر تسخير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لتجريد الإنسان من إنسانيته أو استغلال الأطفال والشباب، داعيًا إلى جعل التربية والثقافة حصنًا حقيقيًا لبناء السلام المستدام والتواصل الأخوي بين الشعوب.
في إطار زيارته الرسولية إلى فرنسا، حلّ قداسة البابا لاوُن الرابع عشر عصر الجمعة ضيفًا على مقر منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) في العاصمة باريس، حيث كان في استقباله المدير العام للمنظمة السيد خالد العناني والمراقب الدائم للكرسي الرسولي لدى اليونسكو. وقد شهدت الزيارة مراسم استقبال رسمية في قاعة “سيغور” تخللها مصافحة كبار مسؤولي المنظمة، قبل أن يعقد قداسته لقاءً مغلقًا مع المدير العام في مكتبة اليونسكو، قام خلاله بتوقيع السجل الذهبي وتبادل الهدايا ذات القيمة التاريخية والرمزية. وفي لفتة عبّرت عن عمق التزام الكنيسة بنشر قيم التعايش والإخاء، شارك البابا والمدير العام في ريّ شجرة الزيتون بـ “حديقة التسامح”، مؤكدين على أهمية زراعة السلام في قلوب العقول والضمائر.
وعقب استماعه إلى خلاصة عمل “منتدى الشباب في العصر الرقمي” بالقاعة الكبرى بحضور ممثلي الدول الأعضاء، وجّه قداسته خطابًا تاريخيًا شاملاً إلى العالم، شدد فيه على أن المستقبل يعتمد بالدرجة الأولى على احترام الكرامة غير القابلة للانتزاع لكل إنسان، داعيًا إلى جعل التقدم العلمي والتكنولوجي في خدمة الشخص البشري، والعمل الصبور على جعل التربية والثقافة أداتين حقيقيتين لبناء السلام والأخوة بين الشعوب. قال البابا لاوُن الرابع عشر يسرّني أن أكون اليوم في هذه الجمعية التابعة للأمم، حيث تلتقي اللغات والثقافات للتعاون في مشروع يعني الأسرة البشرية بأسرها: “الإسهام في الحفاظ على السلام والأمن، من خلال تعزيز التعاون بين الأمم بواسطة التربية والعلوم والثقافة، بغية ضمان الاحترام العالمي للعدالة والقانون وحقوق الإنسان والحريات الأساسية”. إن بناء عالم عادل معًا هو، في الواقع، الأساس عينه للتعاون الدولي. وتهدف تجاربنا وقدراتنا وكفاءاتنا إلى بناء فسحة منفتحة على الجميع وخصبة لكل فرد، لكي يتمكن كل شعب من أن ينمو في السلام. وبصفتي شاهدًا للسلام، أتوجه بتحيتي الحارة إليكم، أنتم ممثلي الدول الأعضاء والدول المراقبة، والمنظمات الدولية، والعالم الأكاديمي والمجتمع المدني. وأشكر السيد خالد العناني، المدير العام لهذه المنظمة، على دعوته الحارة [وعلى الكلمات التي وجّهها إلينا]. وبصفتي راعيًا، أحمل إليكم كلمة الكنيسة، التي تصبح مجدّدًا وعلى الدوام “رسالة” و”حوارًا” موجّهًا إلى جميع الشعوب، وإلى الرجال والنساء ذوي الإرادة الصالحة.
تابع الأب الأقدس يقول إن مشروع بناء عالم عادل معًا يلتقي مع رسالة تعلّمنا أن نتقاسمها على مدى التاريخ. وفي هذا الصدد، تمثل اليونسكو في آنٍ واحد غايةً وأداةً لمواصلة هذه المهمة اليوم بمزيد من الالتزام، وفقًا لمجالات نشاطنا المتعددة. وفي عام ٢٠٢٧، تحل الذكرى الخامسة والسبعون لحضور الكرسي الرسولي لدى اليونسكو: حضور ينبع من الاقتناع بأن المستقبل يعتمد قبل كل شيء على احترام كرامة كل إنسان، الذي خُلق على صورة الله، وتعزيزها، وهي كرامة غير قابلة للانتزاع. ولذلك نعتبر هذه المنظمة شريكًا مميزًا في خدمة الخير العام، الذي هو “الشكل الاجتماعي للكرامة” التي نتقاسمها جميعًا بصورة أصيلة ومتساوية. ومنذ عام ١٩٥٢، تقوم بعثة المراقبة الدائمة للكرسي الرسولي بتقييم مبادرات اليونسكو ومواكبتها من هذا المنظور، مقدّمةً إسهامها في الحوار بين الأمم، من أجل دعم تنمية بشرية أصيلة، لا تكون كذلك إلا عندما تتجه “إلى تعزيز خير كل إنسان والإنسان بكليته”.
أضاف الحبر الأعظم يقول وإذ كان يتحدث أمام هذه الجمعية، ذكّر سلفي الموقّر القديس يوحنا بولس الثاني بأن “الجنس البشري يعيش بالفن والعقل”. ولأن “الإنسان يعيش حياة بشرية حقًا بفضل الثقافة”، فإن كلمة “ثقافة” هذه تدل على أسلوب الكينونة الذي يعطي الإنسان من خلاله معنى لكل ما يقوم به. وبعد ستة وأربعين عامًا، وإذ أجدد أمامكم التزام الكرسي الرسولي بالتعاون، أدعو إلى النظر إلى اليونسكو لا كمنظمة دولية مرموقة فحسب، بل كمكان تتأمل فيه البشرية في ذاتها، وفي تاريخها ومستقبلها. فالعمل على تعزيز التربية والعلوم والثقافة هو مستحيل في الواقع من دون تعزيز حياة الرجل والمرأة، اللذين هما أبطالها.
تابع الأب الأقدس يقول في مجال التربية، تتمتع الكنيسة الكاثوليكية بخبرة عريقة جدًا: فمنذ قرون، تفتح جماعاتها المدارس والجامعات، وتعلّم القراءة والكتابة، وهي حاضرة أيضًا في أكثر الأماكن فقرًا ونأيًا. ومن خلال الميثاق التربوي العالمي، أراد سلفي البابا فرنسيس أن يُدرج هذه الخبرة في تحالف تربوي أوسع، منفتح على إسهام الجميع. لكن ما أود أن أنقله إليكم ليس الأعمال في المقام الأول، بل القناعة التي تنبع منها هذه الأعمال. إذ لا تكتمل أي تربية إذا لم تواجه مسألة المعنى. وفي الخطاب نفسه، ذكّر القديس يوحنا بولس الثاني بأن التربية تعني مساعدة الإنسان على أن “يكون” أكثر، لا أن “يمتلك” أكثر فحسب، مع الاعتراف فيه أيضًا بذلك التعالي الذي يميز الشخص وينتمي إلى ملء إنسانيته.
أضاف الحبر الأعظم يقول ومن ثم، يجدر بنا في جمعيتنا أن نستكشف سؤالًا أساسيًا يسائلنا بإلحاح: ماذا يعني أن نكون بشرًا؟ إن كل ثقافة معنية بهذا السؤال الذي يلمس نقطة الالتقاء بين كل معرفة وفن ودين. وحتى في القرن الحادي والعشرين، لا يمكننا، في نهاية المطاف، أن نسلّم بأننا نعرف مسبقًا من هو الإنسان وما الذي يعنيه أن يعيش حياة إنسانية. فكل جيل مدعو إلى مواجهة هذا التحدي الثقافي، ولا سيما أمام مآسٍ تتكرر، للأسف، اليوم أيضًا.
تابع الأب الأقدس يقول أولًا، الإنسان هو الذي يُحبَل به ويولد: ومن ثم فإن كوننا بشرًا يعني، أولأً، أن نكون أبناء. لم يختر أيٌّ منا أن يكون ابنًا. ولم يقرِّر أحد منا مِن أيّ شخص، أو متى، أو أين سيولد. وهذه الحقيقة الواضحة تسلّط الضوء على أمر ليس بيولوجيًا فحسب، بل أخلاقي أيضًا: فنحن، كأبناء، إخوة وأخوات جميعًا. إن إنسانيتنا هي منذ البداية عطية وامتحان، ووعد ومسؤولية. وبالنسبة إلى جميع البشر، تنطوي الولادة على رابط أصيل، وشركة حياة تجد في الأسرة مصدرها وسياقها التربوي الأول.
أضاف الحبر الأعظم يقول ثانيًا، نولد جميعًا عراة ومعوزين. نحن فقراء منذ الولادة: محتاجون إلى الخبز والكلمة، إلى الرعاية والمودة، أي إلى كل ما يغذي الجسد والروح. ونحن نعرف ذلك جيدًا، لكننا نخاطر، عندما نصبح راشدين، بأن ننسى هذه الحقيقة. ومن عواقب هذا النسيان يتألم المعوزون تحديدًا، كلما تعرضت إنسانيتهم للخيانة أو الرفض، والاستغلال أو الخداع. إن نسيان ولادتنا يحجب فكرة الحياة البشرية، لأنه يفصلها عن التاريخ المشترك بيننا جميعًا. وعندئذ لا تعود الحياة تُفهم كعطية، بل كسلعة. ولا تعود تُرى كنداء إلى العناية والمسؤولية، بل كمنتج للاستغلال. وهذا البديل المأساوي بالذات يذكّرنا بأن كوننا بشرًا يعني أن نكون أحرارًا بطبيعتنا. ولأن كل واحد منا هو ابن، فإن حريتنا تبدأ بالاستجابة لحرية من يوجّه إلينا الكلمة أولًا، من خلال أفعال المودة أو الرفض، والقبول المُحِب أو الهجر والقسوة.
تابع الأب الأقدس يقول ثالثًا، إن تذكُّر إنسانيتنا المشتركة يعني الاعتراف بأنها رائعة، أي مفعمة بالإمكانات، وإن كانت موسومة بالكثير من الشرور والظلم. ومن يكرّس نفسه للتربية والعلم والثقافة هو مدعو، بالأحرى، إلى الاهتمام بكل شخص، لكي يتألق جمال حريتنا. ولهذا الجمال اسم: العدالة. نعم، تكون الحرية جميلة عندما تتجه نحو الخير والحقيقة؛ وتشوه عندما تنزلق إلى الاعتباط والعنف والعطش إلى السلطة. ومن ثم، فإن كوننا بشرًا ينطوي على مسؤولية أمام نداء التاريخ: فالإنسان هو الذي ينمو ويتعلم ويعمل بعقله ويديه. ومن خلال التزامه يستطيع أن يزرع الأرض أو يشوّهها، وأن ينتج الفن أو يدمر. وفي هذه اللحظة المميّزة، علينا أن ندرك أن أفظع “الأعمال البشرية” هو الحرب؛ لأنها تجعل العِلمَ نفسه في خدمة إرادة لا إنسانية للتدمير والقتل.
أضاف الحبر الأعظم يقول وفي هذا الصدد، تبدأ ديباجة دستور اليونسكو بكلمات لا تزال تحتفظ بآنيّتها المدهشة: “بما أن الحروب تنشأ في أذهان البشر، ففي أذهان البشر يجب أن تُبنى حصون السلام”. كُتبت هذه الكلمات غداة الحرب العالمية الثانية، وهي المأساة الأكثر تدميرًا في القرن الماضي. فقد أدركت البشرية أن التقدم العلمي، عندما ينفصل عن الحكمة، يمكنه أن يتحول إلى سلاح مدمر؛ وأن الثقافة، عندما تخضع للأيديولوجيا، يمكنها أن تصبح كذبًا ودعاية؛ وأن التربية، عندما تتخلى عن الحقيقة، تتحول إلى أداة للتلاعب بالضمائر. وقد أدركت الدول المؤسسة لليونسكو أن المعاهدات ضرورية، لكنها غير كافية في ذاتها. فهي تحتاج إلى ثقافة والتزام مشترك بالسلام يدعمانها. ولا يمكن بناء السلام بالمعاهدات وحدها، ولا من خلال تسويات بين قوى متعارضة. إذ يكون السلام حقيقيًا عندما ينبع من فضيلة العدالة، لا من مجرد عقد، ومن إرادة مستقيمة، لا من توازن هش للمصالح. فالإرادة المستقيمة وحدها قادرة على أن ترى في الآخر أخًا أو أختًا، شخصًا مثلها.
تابع الأب الأقدس يقول وبعد ثمانين عامًا، لم تفقد كلمات ميثاقكم التأسيسي شيئًا من قوتها. ومع ذلك، نرى أيضًا مدى تعرض هذا المبدأ المشترك للتهديد العميق من أشكال البربرية التي تؤجج الخصومات والنزاعات. ومن بين التحديات المطروحة اليوم أمام العالم العلمي والتربوي، أشير بصورة خاصة إلى تلك التي يفتحها المجال الواسع للتكنولوجيا. وينبغي لجهودنا في هذا المجال أن تضمن بقاء التكنولوجيات الجديدة في خدمة الشخص البشري، بدل أن تتحول إلى أداة إضافية للسيطرة والظلم.
أضاف الحبر الأعظم يقول على مر القرون، أُسندت إلى الآلات أنشطة كثيرة كان البشر يقومون بها في السابق، واستمرت قدراتها وتطبيقاتها في التوسع. وفي الآونة الأخيرة، أُطلق حتى على بعض الأنظمة الاصطناعية اسم قدرتنا البشرية على التفكير: الذكاء. وفي الوقت عينه، تتعرض أفكارنا وعلاقاتنا لخطر الإفقار من جراء عملية تجريد من الإنسانية. وقد أصبحت المفارقة أكثر وضوحًا: ففيما يُنسب “الذكاء” إلى الأنظمة الحاسوبية، نحن نكافح للاعتراف بالكرامة غير القابلة للتصرف للبشر، الذين تُقيّم حياتهم وفق معيار الكفاءة، ويُرفضون ويُستبعدون عندما يتمُّ اعتبارهم غير منتجين بعد الآن.
تابع الأب الأقدس يقول تدعونا هذه الحقيقة المؤلمة إلى التأمل في هشاشة طبيعتنا البشرية وفي الوقت عينه في الكرامة الهائلة لكل شخص، وهي كرامة تبقى كاملة حتى في أكثر الظروف هشاشة، وصولًا إلى الموت نفسه. نعم، الإنسان هو بالتأكيد الذي يولد، ولكنه أيضًا الذي يموت. فكرامتنا لا يدمرها المرض أو الألم، ولا تعتمد على القدرات التي يتمتع بها الشخص. بل على العكس، هي تتطلب رعاية مُحبة في كل مرحلة من مراحل الحياة. وبالنسبة إلى الإيمان المسيحي، يجد سر الشخص البشري نوره الكامل في المسيح، الذي “بكشفه لسر الآب ومحبته، يكشف الإنسان لنفسه بالكامل ويبين له دعوته السامية”. وفي نوره، يظهر لنا كل شخص خليقة أرادها الله وأحبها. ويساعدنا هذا النور أيضًا على إدراك معنى خبرتنا البشرية المشتركة بصورة أعمق.
أضاف الحبر الأعظم يقول أيها السيدات والسادة، باسم تاريخنا المشترك، وكرجال ونساء علم، أنتم مدعوون باستمرار إلى التعاون، لكي ينضج، انطلاقًا من تنوع وجهات النظر، توافق في النظرات، ومن توافق النظرات انسجام في العمل. وهذا الانسجام يتجلى في عمل اليونسكو عندما تمنح صوتًا سمفونيًا لأسمى مقاصد الخير والعناية بالإنسانية. فحيث يكون الانسجام، يكون هناك توافق بين أصوات مختلفة، وبالتالي وفاق بين الأمم التي تمثلونها. وفي هذا الصدد، أود أن أستمد صورتين من الكتاب المقدس، ذلك المرجع الثقافي العظيم للبشرية: برج بابل وساحة العنصرة. وأقدمهما إليكم كطريقتين لتمثيل وحدة الأسرة البشرية التي هي، حتى اليوم، مدعوة باستمرار إلى تمييز الاتجاه ومعنى التاريخ الذي تجتازه. إن هاتين الروايتين البيبليّتَين ترويان شكلين اجتماعيين يقوداننا إلى التأمل في ظروف حاضرنا.
أضاف الحبر الأعظم يقول يمثل برج بابل وحدةً مفروضة من خلال الهيمنة. وفي الوقت عينه، يكشف هذا البناء أن السلطة كلما اضطَهَدت أكثر، ضعُفت أكثر، مظهرة وجهها اللاإنساني. ونرى ذلك في الآلام وأشكال الظلم التي يسببها الاستبداد، وكذلك في الاستغلال الذي يجرح المجتمع والبيئة. وكما يعلّمنا التاريخ، احتفلت إمبراطوريات كثيرة بجبروتها، قبل أن تستهلك نفسها وتسقط كبرج. ونتيجة هذا الكبرياء، الذي تمجّد ثم دُمّر، هي التشتت. فافتراض التشبه بالله وإخضاع الشعوب لنير واحد يؤدي إلى بلبلة اللغات وسوء الفهم العام. وبدل من أن تلامس السماء، كما كان يزعم، انهار برج بابل، مخلِّفًا أثرين سلبيين. فكما كانت الوحدة التي فرضها قسرية، كذلك فإن التنوع الذي عقب سقوطه أصبح يسبب الصراعات. واليوم، يتكرر إغراء برج بابل في عولمة تُلاحَق من دون أُخوَّة، في الاستعمار المالي الجشع، وفي الفرض الأيديولوجي، وفي جميع تلك “الاتصالات من دون روابط” التي تختزل الحياة البشرية إلى تجارة. وحتى العلم نفسه، عندما يُختزل إلى تقنية للسلطة، لا يعود يخدم رفع شأن الشخص البشري، بل يخاطر بتحويل ثمار الجهد إلى ما يحط من قدره.
تابع الأب الأقدس يقول نحن نملك اليوم، بصورة خاصة، أدوات قادرة على الربط الفوري بين الأشخاص والقارات، ومع ذلك نشهد أشكالًا جديدة من العزلة والبؤس المادي والروحي والهجر. لقد أصبحت الاتصالات أسرع بكثير، لكنها ليست بالضرورة أكثر صدقًا؛ والمعلومات وفيرة، لكنها لا تتطابق مع الحكمة. ومن دون أخلاقيات مهنية مشتركة، تخاطر مختلف قنوات الاتصال بمضاعفة المعلومات الكاذبة، أو باستخدام كلمات بلا معنى، مما يعرقل الحوار بدل أن يعززه. ويزيد الذكاء الاصطناعي هذه المشكلة حدَّة: فعلى الرغم من أن هذه الأنظمة قادرة على الربط بين البيانات، إلا أنّها لا تستطيع الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود البشري، الذي تتجذر جذوره في الخبرة المعاشة. ومع ذلك، لا يستطيع البشر أن يعيشوا من دون معنى. فالمعنى هو أكسجين العقل. ولذلك فإن تحديات التواصل، التي هي دائمًا تحديات تربوية، تفرض مسألة الحقيقة كموضوع للعدالة الاجتماعية والإنصاف التاريخي. ولهذا السبب، تصبح التربية في هذا المجال أساسية، وأرحب بمبادرة اليونسكو من خلال برنامجها “محو الأمية الإعلامية والمعلوماتية”، الذي يشجع على الاستخدام المسؤول لوسائل الإعلام والأدوات الرقمية.
أضاف الحبر الأعظم يقول فمن دون الحقيقة، في الواقع، تنتهي اللغة إلى الخضوع لمنطق العنف ولإرادة الأقوياء الاعتباطية. وهكذا يُستبعد الآخرون باسم الربح، ويُقتل الأبرياء باسم الحرية. وبدل احترام القانون، يستحضره من يملك السلطة عندما يخدم مصالحه، ويتجاهله عندما يحد منها، حتى إنه يتعامل مع العدالة وكأنها سلعة تُشترى وتُباع. وإذا اعترفنا بأن فساد القانون يبدأ من فساد القلب، يمكننا أن نقدّر واقع أن أي علم قد يفقد معناه إذا تمّت ممارسته من دون أخلاق، يتوقف بذلك عن خدمة الكرامة الإنسانية وعكسها. وفي هذا الصدد، أحضّ المجتمع الدولي بأسره على إيلاء اهتمام خاص لحماية الأطفال والشباب. ففي العصر الرقمي، لا ينبغي أبدًا أن تتحول هشاشتهم إلى فرصة للاستغلال. عسى أن تدعم هذه التكنولوجيات نموهم وتنشئتهم وعلاقاتهم، وأن تحمي حريتهم في التفكير والتمييز، وأن تبقى دائمًا في خدمة كرامة الشخص البشري.
تابع الأب الأقدس يقول إن فساد الثقافة الذي نتحدث عنه يجد خلاصه في ساحة العنصرة. فهناك، تُقبل رسالة سلام كخبر سار من جميع الشعوب. وهذا الإعلان يبشّر بقيامة يسوع، أي بانتصار الحياة على الموت، وبالخلاص الذي يمنح العالم الرجاء. وفي يوم العنصرة، تصبح الساحة مكانًا يُحتفل فيه بالسلام الذي يشفي كل إساءة إلى الشخص البشري. ويسمع كل واحد هذه الرسالة “بلغته الخاصة” ولا تمنع الشركةُ التنوعَ على الإطلاق. بل على العكس، هي تتيح للتنوع أن يزدهر في انسجام الأصوات والوجوه. وفي إعلان السلام، تصبح تعددية الثقافات وسيلة لحقيقة شاملة. وهكذا يبيّن لنا التعليم البيبلي الدرب إلى بلوغ ما نبحث عنه جميعًا: «تلك الوحدة التي لا تلغي الاختلافات، بل تثمن التاريخ الشخصي لكل فرد، والثقافة الاجتماعية والدينية لكل شعب”. ليس جبروت بابل، بل سلام العنصرة، هو الذي يجعل مثل هذه الشركة بين جميع الشعوب ممكنة. ومن ثم، تحقق كل ثقافة حكمتها الأسمى عندما تبحث عن السلام وخير الجميع، وتشهد للمعنى الأصيل لإنسانيتنا.
أضاف الحبر الأعظم يقول إن الذي يعمل في مجال التربية يعرف أن الحقيقة وحدها تجعلنا أحرارًا. والذي يعلّم ويجري الأبحاث يعرف أن الخطأ يجعلنا عبيدًا للجهل والخرافة. وكلما شعرنا بعقبات تعترض رسالتنا، فلنتذكر أن هناك أرضًا واحدة للجميع، وطبيعة بشرية واحدة مشتركة. ولا يمكن فهم الإنسان من خلال فصل ما ينتمي إلى وحدة واحدة: الجسد والروح، والحياة الشخصية والعلاقات، وعلاقتنا بالآخرين وبالبيئة. فكل هذا هو جزء من وحدة وجودنا. ولذلك فإن تنمية الأرض تعني أيضًا تنمية الإنسانية التي تسكنها. والتربية والعلم هما مدعوان إلى هذه المهمة. وكما يعلّمنا أصل كلمة “ثقافة”، فإن كل ثقافة هي تنمية. ومن ثم، أجدد نداء أسلافي إلى العناية بالشخص البشري والخليقة معًا: فقد تحدث البابا بندكتس السادس عشر عن ضرورة وجود إيكولوجيا للشخص البشري، بينما طوّر البابا فرنسيس منظور الإيكولوجيا المتكاملة.
تابع الأب الأقدس يقول إن معيار الاختبار الذي يتيح لنا تقييم التزامنا هذا هو العناية التي نبديها تجاه الصغار والأشدَّ فقرًا: الأطفال في أرحام أمهاتهم وفي مختلف ساحات الحروب، والأشخاص ذوو الإعاقات الجسدية والفكرية، والمسنون، والمهاجرون واللاجئون، وجميع الذين يستبعدهم الكبرياء باعتبارهم غير منتجين. هؤلاء هم معيار اختبار تصريحاتنا حول احترام الكرامة الإنسانية، التي تمتد حمايتها وتعزيزها أيضًا إلى الخليقة. وفي المقابل، تقف إرادة الاستغلال والنهب التي تهدف إلى استخراج أكبر قدر ممكن من كل كائن حي، فتستهلك من دون أن تحافظ، وتدمّر من دون أن تُنمِّي. ومن ثم، فإن الأزمة البيئية الراهنة هي أزمة أنثروبولوجية؛ والكنيسة مقتنعة أيضًا بأن كل ثقافة تحمل في ذاتها حكمة تنضج في منظومة بيئية للشعوب. نعم، إن موطن الشخص البشري في الواقع هو المجتمع: ليس بيئة مادية محضة، كالصحراء أو المحيط بالنسبة إلى الحيوانات، بل بيئة أخلاقية وعلائقية. ففي السلام الاجتماعي، تزدهر الشعوب وفقًا للعدالة.
أضاف الحبر الأعظم يقول وبالتالي، تجد اليونسكو هنا خلاصة مهامها التربوية والعلمية السامية: في العمل الصبور على بناء السلام. وأمام حالات الطوارئ الكثيرة والمعقدة في عصرنا، ينظر العالم إلى المؤسسات الدولية بمشاعر متناقضة. فمن جهة، هي مدعوة إلى مواجهة تحديات لا تستطيع أي دولة أن تواجهها بمفردها. ومن جهة أخرى، تعاني المؤسسات نفسها أزمة في الفعالية، ولا سيما عندما يُنظر إلى الحوار على أنه عائق أمام العمل بدل أن يكون موردًا للسلام، وعلى أنه شكل من أشكال النفاق بدل أن يكون فرصة للبحث معًا عن الخير. وأمام هذه الانحرافات، ينبغي تعزيز فضيلة تبدو اليوم نادرة بقدر ما هي مرغوبة: الثقة؛ الثقة بأن الاختلافات لا تشكل بالضرورة تهديدًا؛ والثقة بأن المواجهة الصادقة يمكنها أن تولّد خيرًا أعظم مما يستطيع كل واحد أن يبنيه بمفرده.
تابع الأب الأقدس يقول ويرغب الكرسي الرسولي في أن يبعث هذه الثقة في اليونسكو، كما في سائر المنظمات الدولية، وهو واعٍ بأن لكل شعب ثروة يمكنه أن يتقاسمها في مسيرة البحث عن ذلك التقدم الأصيل الذي لا يستطيع السلام وحده أن يضمنه. وليس المقصود هنا التبشير بتفاؤل ساذج يتجاهل الصعوبات، بل المثابرة في الرجاء بأن الخير ممكن دائمًا. فكل طفل يولد يحمل معه رجاءً. وكل رجل وامرأة يكرّسان حياتهما للبحث عن الحقيقة يقومان بفعل رجاء. فلتشهد اليونسكو إذن لهذا الرجاء، من خلال تعزيز التفاهم بين الأمم عبر الحوار بين ثقافاتها. فنحن نؤمن بأن التربية هي الأداة لتجاوز المخاوف المتبادلة، وأن العلم يمكنه أن يخدم حياة كل إنسان، إذ يزرع في الحاضر حصاد المستقبل الطيب. وهذه الثقة تغذي رجاءنا في المحبة، أي في خدمة خير القريب: فإذا كرّسنا جميعًا أنفسنا، بانسجام، لإنسانيتنا الرائعة، يمكن للسلام أن يزهر أخيرًا.
أضاف الحبر الأعظم يقول وفي التعاون في هذا العمل، تؤدي التقاليد الدينية دورًا ضروريًا ثقافيًا ولا غنى عنه، فالأديان تعبّر عن أسئلتنا حول أصل الحياة ونهايتها، وتصوغ المعنى الأول والأخير للوجود، الذي ينعكس في الخيارات اليومية. في الواقع، عندما يوجّه الرجال والنساء ذوو الإرادة الصالحة أعمالهم نحو الله، لا تتشتت تعددية الثقافات في فوضى بابل. بل تلتقي البشرية من جديد في بحث مشترك عن المعنى، متجهة نحو مصير ليس الموت. فنحن لسنا في مسيرة نحو العدم. ولهذا تشعر النفس البشرية، في علاقتها بالله، بصورة قويّة، بالدعوة إلى تنمية السلام من خلال تحالف بين الشعوب التي تعترف بأنها أبناء الآب الواحد، وإخوة وأخوات بعضهم لبعض.
وختم البابا لاوُن الرابع عشر كلمته بالقول لذلك، آمل أن يعزز لقاؤنا التزام كل واحد منكم بالعمل بلا كلل، لكي يصبح الوعي بالانتماء إلى إنسانية واحدة أكثر حيوية وفاعلية واستقامة. وأود في هذا الصدد أن أعرب عن خالص شكري لجميع العاملين في اليونسكو، الذين يضطلعون بكفاءة وتفانٍ بهذه الرسالة السامية جدًا: بناء السلام من خلال تنمية كل علم وفن من فنون الإنسانية. أوجّه هذه الكلمات إليكم جميعًا، وإلى الشعوب التي تمثلونها، وبصورة خاصة إلى الشباب. فالأجيال الجديدة هي، في الواقع، التي تراقب أعمالنا بأكبر قدر من الاهتمام. وإذ نعضد تطلعاتهم إلى العدالة، أستمطر، بامتنان وتقدير، عليكم جميعًا وعلى أممكم فيض بركات الله، الخالق القدير والرحيم. شكرًا لكم.