في أجواء إيمانيّـة خاشعة واكبت انطلاقة مسيرة الصّـوم الكبير وأسبوع الصّـلاة من أجل المرضى، استحال مستشفى “أوتيل ديو” (Hôtel-Dieu de France) واحةً للصّـلاة والرّجاء. وبمبادرة روحيّـة وإنسانيّـة جامعة، أحيت عائلة المستشفى “اليوم العالميّ للمريض” ببرنامج روحيّ ترأّسه سيادة المطران كريكور باديشاه، رئيس اللّـجنة الأسقفيّـة لراعويّـة الخدمات الصّـحيّـة.
استُهـلّـت المناسبة بجولة روحيّـة مؤثّـرة في مختلف أجنحة المستشفى، حيث طاف سيادة المطران حاملاً ذخائر القديّـس الشّـهيد إغناطيوس مالويان، بطل الإيمان الّـذي جسّـد في رسالته الكهنوتيّـة والأسقفيّـة أسمى معاني القرب من المتألّـمين في أحلك الظّـروف. وقد شكّـلت هذه المحطّـة بارقة نور للمرضى الّـذين تباركوا بالذّخائر، مستلهمين من فضائل الشّـهيد القوّة والصبر لمواجهة أوجاعهم.
وعلى وقع التّـراتيل الأرمنيّـة العريقة الّـتي أضفت جلالاً وخشوعاً، ترأّس المطران باديشاه الذّبيحة الإلهيّـة في كنيسة المستشفى، بحضور المدير العام الأستاذ نسيب نصر، ومديرة التّـمريض الأخت سوزان عيد، والأخوات ليندا رعد ومارييت أبرص، ومدير قسم الأمراض الجرثوميّـة الأب الدّكتور نبيل شحادة اليسوعيّ، إلى جانب الخوري إلياس ضو والأب وديع نعمة.
وفي عظة نابعة من القلب، أكّـد المطران باديشاه أنّ اللقاء اليوم ليس مجرّد ممارسة طقسيّـة، بل هو وقوف أمام أعظم “سرّين”: سرّ القربان على المذبح، وسرّ القربان الحيّ المتألّـم في الأسرّة. واستحضر سيادته فكر القدّيس يوحنّا بولس الثّـاني معتبراً أنّ المريض هو “قربان حيّ على مذبح العالم”، وأنّ سريره “مذبح” مقدّس؛ لذا فإنّ لمس جسد المريض يجب أن يقترن بخشوع لمس الكأس المقدّسة، فالعلاج ليس وظيفة تقنيّـة، بل هو خدمة ليتورجيّـة يوميّـة.
ووجه سيادته نداءً وجدانيّـاً للجسم الطّـبيّ والإداريّ، قائلاً: “أنتم خبراء في تشخيص الفيروسات والأورام والالتهابات عبر تقنيات الـ CT Scan والـ IRM، لكن ثمة أمراضاً باطنيّـة أفتك من السّرطان لا ترصدها الميكروسكوبات ولا تظهرها صور الأشعة، ومنها:
مرض “الأنا” (الكبرياء): الّـذي يتحوّل إلى جدار عازل يفصلنا عن أنين الإنسان. وحذر سيادته من خطورة أن تتحول “الخبرة الشخصية” و”الرصيد العلمي” إلى فخّ يقع فيه الطبيب أو الممرض، حين يظنّ أنه ملك المعرفة وحده، فيبدأ بالتقليل من شأن زملائه الآخرين والاستخفاف بآرائهم.
مرض اللّـسان: ذلك العضو الصّـغير الّـذي قد يغتال روح الّـزميل أو المريض بكلمة جافة أو نميمة سامّة.
مرض الجشع: حين تُـرجّـح كفّـة المادّة على كرامة الإنسان وصحة الشخص وعائلته، فيصبح همّ الطبيب الأول هو “التحصيل المالي”، ويغرق الممرض أحياناً في روتين العمل الضاني ناسياً جوهر رسالته.
وشدد سيادته على إنّ السامري الصالح لم يسأل الجريح عن رصيده البنكي، ولم يضع شرط الـ (Fresh Money) قبل أن يلملم جراحه، ولم يتعامل مع المستشفى كفندق تجاري، بل أبصر في المنكوب أخاً في الوجع.
ودعا المطران الجميع في هذا الصّـوم المبارك إلى مداواة هذه الآفات بالصّـلاة والإماتة، وتطهير الأرواح بذات الدّقّـة الّـتي تُـعقّـم بها الأدوات الجراحيّـة.
وفي ختام القدّاس، ألقى الأب الدّكتور نبيل شحادة اليسوعيّ كلمة شكرٍ باسم إدارة المستشفى والجسمين الطّـبيّ والتّـمريضيّ، مثمّـناً لفتة المطران باديشاه الأبويّـة. وتوجه الأب نبيل بامتنانٍ خاص إلى اللّجنة الأسقفيّة لراعويّة الخدمات الصّحيّة وكل من ساهم في تحضير هذا اللقاء الروحي الجامع، وخصّ بالذكر الآنسة جوان الهاشم و السيدة كاترين أيوب، مشيداً بلمساتهما المبدعة في تنظيم القداس الالهي لتكون محطة تعزية روحية حقيقية للمرضى، كما شكر الجوقة الّـتي أضفت بصداها الملائكيّ جوّاً من الرقيّ والخشوع.
واختُـتِـم الاحتفال ببركة خاصّـة بالذّخائر المقدّسة، حملت وعود الشّـفاء والتّـعزية لكلّ من جعل من ألمه قرباناً وصلاة.
من مستشفى *أوتيل ديو* المطران كريكور باديشاه: *هناك أمراض باطنيّـة أفتك من السرّطان، لا تُرى بالميكروسكوب، ولا بصور الأشعّة، ولا تُشفى بعلبة دواء*






