لاون الرابع عشر يؤكد أن الضيافة الأصيلة ترتكز إلى مفهومَي الحضور والرعاية

استقبل البابا لاون الرابع عشر صباح يوم الخميس في قاعة كليمنتينا بالفاتيكان المشاركين في النسخة الرابعة لفعاليات ما يُعرف بـ”كرسي الضيافة” التي أبصرت النور بفضل الخبرة الروحية لجمعية Fraterna Domus بالتعاون مع عدد من الجمعيات الكنسية والاجتماعية.
وجه الحبر الأعظم لضيوفه المائتين كلمة استهلها مرحباً بهم وقال إن اللقاء الذي يشاركون فيه يحرّكه الوعي بأن الدعوة المسيحية موجهة نحو إقامة علاقات من الشركة بين الأشخاص، وهذا يتحقق من خلال قبول الآخرين، والإصغاء والضيافة والرعاية. وهذه الضيافة تتطلب تقبل الآخر ومرافقته، كما أن الضيافة الأصيلة تبصر النور بفضل نعمة اللقاء، وهذا ما نختبره مع الأشخاص الذين نحبهم، مع الأقرباء والزملاء وأيضا مع الغرباء والذين قد يكونون أحياناً عدائيين تجاهنا. وعندما يكون هذا اللقاء أصيلا تتبدّل هذه الخبرة الشخصية، وتصبح قادرة على إشراك الآخرين وتتحول بالتالي إلى خبرة جماعية.
بعدها ذكّر البابا بأن ضيوفه شاؤوا أن تتمحور النسخة الرابعة لهذا الحدث حول الشباب. وقال إنه في زمن مطبوع بالتبادلات الثقافية والاجتماعية العميقة يشكل الشبان، الذين هم مستقبل المجتمع والكنيسة، الحاضر الحي. كما أن تساؤلاتهم ومخاوفَهم تدعونا إلى تجديد أنماط علاقاتنا. وأكد الحبر الأعظم أن استقبال الشبيبة يتطلب الإصغاء إليهم والنظر في أعينهم مدركين أن الروح القدس يعمل في حياتهم وفي لغتهم، وهو يقترح علينا مسارات جديدة تضمن رعايتنا لهم وحضورنا إلى جانبهم.
هذا ثم شاء لاون الرابع عشر أن يتوقف عند مفهومَي الحضور والرعاية، اللذين ينيران المعنى المسيحي للضيافة. وقال إن كل واحد منا وُلد وترعرع ضمن واقع اجتماعي معيّن، مضيفاً أن العائلة والرعية والمدرسة والجامعة وبيئة العمل تمثل كلها نماذج من المجتمع تتقاطع ضمنه أبعاد نفسية، قانونية، خلقية، تربوية وثقافية. كما أن حضورنا في حياة الآخرين يعني أن نتقاسم معهم الوقت والخبرات وأن نقدم لهم نقاطاً مرجعية مستقرة تسمح لهم بالنمو. ودعا البابا ضيوفه في هذا السياق للنظر إلى عائلة الناصرة لندرك أن كل جماعة مضيافة قادرة على إعادة اكتشاف دعوتها وعلى توجيه مسيرتها نحو الخدمة، وهكذا نختبر أهمية حضور الآخرين في حياتنا.
وقال الحبر الأعظم إننا قد نتعامل مع حضور الرب في حياتنا الإيمانية على أنه من المسلمات، وقد نشعر بالضياع عندما نعتقد أننا فقدانه، لكن في الواقع نكون قد ابتعدنا عنه، لذا فإننا مدعوون إلى البحث عنه بثقة، وإلى التسلح بالشجاعة اللازمة لنستكشف دروباً جديدة، وننظر إلى العالم بأعين مختلفة، مفعمة بالرجاء. ولفت البابا إلى أن البحث عن يسوع يعني الانتقال من الأمان الذي تعطيه قناعاتنا إلى مسؤولية اللقاء، وهكذا نتعلم كيف نرى ونقبل حضور الله الذي يتخطى حدودنا الشخصية.
بعدها انتقل لاون الرابع عشر إلى الحديث عن المفهوم الثاني ألا وهو الرعاية وقال إن هذا ما فعله القديس يوسف مع العائلة التي أوكلها إليه الرب. وأضاف البابا أن الرعاية تتطلب منا أن نكون قريبين من الآخر ومتنبهين لاحتياجاته، أن نحترم خياراته ونعتني به، وذكّر بأن الكتاب المقدس يقول إن الرب هو حارس شعبه إسرائيل، لا ينعس لا ينام. من هذا المنطلق، تابع لاون الرابع عشر، لا بد أن تعتني العائلة البشرية بكل ما أوكله إليها الله، بالعلاقات، والخليقة، بحياة الأخوة والأخوات، لاسيما المتألمين والضعفاء. وهذه الرعاية أو الحماية تتطلب حضورنا إلى جانب الآخرين وتحمّل المسؤوليات تجاههم.
في ختام كلمته ذكّر البابا بأن هذين المفهومين هما بمثابة مصباحَين ينيران مسيرة الحاضرين نحو ضيافة قادرة على فتح دروب من القداسة من منظار يرتكز إلى العلاقات الأخوية مع الآخرين، بعيداً عن المرجعية الذاتية، مذكرا بأن الثقافة الاجتماعية والسياسية التي تشمل الضيافة المجانية قادرة وحدها على الاستمرار، كما جاء في الرسالة العامة Fratelli Tutti . هذا ثم شكر البابا ضيوفه على التزامهم الدؤوب ومنح الكل بركاته الرسولية.