عظة صاحب الغبطة البطريرك يوسف العبسي الكليّ الطوبى في الليترجيّا الإلهيّة المقدّسة التي احتفل بها في كاتدرائية سيّدة النياح – حارة الزيتون بمناسة عيد القيامة المجيدة

عظة البطريرك يوسف في الكاتدرائيّة بدمشق
المسيح قام! حقًّا قام!
تحتفل الكنيسة في هذا اليوم الأحد الخامسِ من نيسان بقيامة ربّنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح من بين الأموات، بعد أن قضت سبعة أسابيع تستعدّ لها بالصوم والصلاة والصدقة وسائر أعمال البرّ والتقوى. يحتفل المسيحيّون اليوم بقيامة السيّد المسيح من بين الأموات، بهذا الحدث التاريخيّ الذي يشكّل الحجر الأساس، حجرَ الزاوية، في إيمانهم، منذ أكثر من ألفي عام، والذي ما زال موضع تساؤل أو شكّ أو تشكيك أو درس أو بحث عند كثيرين. كيف يمكن أن يقوم إنسان بعد أن يكون قد مات ودُفن؟ ولماذا لم يتكرّر هذا الحادث؟ لماذا لم يقم في تاريخ البشريّة إلّا يسوعُ المسيح؟
نعلم من الإنجيل أنّ يسوع (الرسل أيضًا) أقام أمواتًا، إنّما قبل أن يكونوا قد دُفنوا. لعازر وحده أقامه يسوع بعد أن كان مات ودُفن ولبث في القبر أربعة أيّام وأنتن على ما ورد في الإنجيل. لماذا؟ ليؤكّد ويثبت، بالبرهان الحسّيّ المادّيّ، القيامةَ العامّة للبشر أجمعين، كما تعلن الكنيسة في أناشيد العيد: “أيّها المسيح الإله لـمّا أقمتَ لعازر من بين الأموات أكّدت القيامة العامّة”، وأيضًا: “أيّها المسيح الإله لـمّا دُفنّا معك بالمعموديّة استحققنا بقيامتك الحياة الخالدة”. لذلك وَضعتِ الكنيسةُ في صلواتها قيامةَ لعازر رأسًا قبل قيامة يسوع، لتربط بين قيامة يسوع وقيامتنا نحن البشر. لم يقم يسوع وحده بل وعدنا بأن نقوم نحن أيضًا معه إنّما في الأوان الذي يحدّده هو وحده. هذا ما فعله في موت لعازر إذ لم يذهب حالًا عندما وصله خبر وفاته بل حدّد هو نفسه الوقت ليقيمه: بعد انقضاء أربعة أيّام.
لذلك ليست قيامة السيّد المسيح في إيماننا المسيحيّ حدثًا تاريخيًّا وحسبُ، نستعيده ونستذكره كما نستذكر أحداثًا تاريخيّة أخرى لا شأن لنا بها. قيامة يسوع تعنينا شخصيًّا. إنّها عربونٌ وباكورةٌ لقيامتنا نحن البشر. هنا يَطرح البعضُ السؤالَ: أما كان، أليس في وسع الله أن يجعل الإنسان يقوم بعد موته من دون قيامة يسوع؟ ديانات أخرى سماويّة وغيرُ سماويّة تؤمن بالقيامة وليس عندها مسيح مات وقام! الجواب عند السيّد المسيح حين أجاب مرتا إذ قالت له: “أنا أعلم أنّ أخي سوف يقوم في اليوم الأخير، أجابها: “أنا القيامة والحياة. مَن آمن بي وإن مات فسيحيا”. يعني ليس من قيامة للإنسان من دون قيامة السيّد المسيح. لا قيامة لأحد على الأرض إلّا إذا مرّ بيسوع المسيح القائمِ من بين الأموات الذي شمِلت قيامتُه العالمَ كلّه كما نقول في صلواتنا ونعتقد في إيماننا. قيامة البشريّة غير ممكنة من دون قيامة السيّد المسيح الذي تجسّد واتّخذ بشريّتنا ومات وقام بجسده. قيامة يسوع بجسده هي التي تجعل الإنسان يقوم هو أيضًا. تجسَّدَ يسوعُ ومات وقام لكي يجعل قيامتنا ممكنة. هذا ما يؤكّده بولس لأهل كورنثس بقوله: “إنّ المسيح قد قام من بين الأموات باكورةً للراقدين، لأنّه بما أنّ الموت [كان] بإنسانٍ فبإنسانٍ أيضًا قيامةُ الأموات. فكما أنّه في آدمَ يموت الجميعُ كذلك أيضًا في المسيح سيحيا الجميع” (1كور 15: 20-22).
يَروي الإنجيليّ يوحنّا الذي أورد قيامة لعازر أنّ يسوع حين وصل إلى بيتِ لعازرَ قالت له مرتا “لو كنتَ ههنا لما مات أخي”. أجابها يسوع: “أخوكِ سوف يقوم”. أجابت: “أنا أعلم أنّه سوف يقوم في اليوم الأخير”. أجابها يسوع: “أنا القيامة والحياة”، يعني أنا الذي سوف يقيمه حتّى في اليوم الأخير. البرهانُ على ذلك أنّني سوف أقيمه الآن: “يا لعازر هلمّ خارجًا”. أن يقيمنا يسوع كلَّنا قالها هو نفسه أكثر من مرّة في إنجيل يوحنّا، في خُطبته عن خبز الحياة، في الفصل السادس. قال يسوع: “مشيئةُ الذي أرسلني أن لا أُتلف شيئًا ممّا أعطاني بل أقيمَه في اليوم الأخير. مشيئة أبي أن تكون لكلّ من يرى الابن ويؤمنُ به الحياةُ الأبديّة، وأنا أقيمه في اليوم الأخير” (يوحنّا 6: 39-40). وأيضًا: “ما مِن أحد يقدر أن يأتي إليّ إن لم يجتذبْهُ الآبُ الذي أرسلني وأنا أقيمه في اليوم الأخير” (يوحنّا 6: 44). وأيضًا: “من يأكلْ جسدي ويشربْ دمي فله الحياة الأبديّة وأنا أقيمه في اليوم الأخير” (يوحنّا 6: 54). عندما كان الرسل على جبل التجلّي رأوا ولو بصيصًا خاطفًا من مجد الله، لكنّ يسوع حذّرهم أنّ هذه الرؤية لن تكون كاملة إلّا بعد تألّمه وموته وقيامته. أجل قيامة يسوع وحدها هي التي جعلت قيامتنا نحن البشر ممكنة وحياتَنا الأبديّة ممكنة. موت يسوع وقيامته كانا لخير البشريّة جمعاء.
هذا هو تدبير الله الخلاصيّ الذي يصعب علينا فهمه وإدراكه والذي أَخبر عنه الربّ يسوع أكثرَ من مرّة في الإنجيل بصيغة الإلزام : “ينبغي”، “يجب”. يقول متّى. “منذئذٍ شرع يسوع يبيّن لتلاميذه أنّه ينبغي له أن يمضي إلى أورشليم، ويتعذّب كثيرًا […] وأن يُقتل وأن يقوم في اليوم الثالث” (متّى 16: 21). ويقول مرقس: “أخذ يعلّمهم أنّه ينبغي لابن البشر أن يتألّم كثيرًا […] وأن يُقتل ويقوم بعد ثلاثة أيّام” (مرقس 8: 31). ويقول لوقا: “ثمّ قال إنّه ينبغي لابن البشر أن يتألّم كثيرًا […] وأن يُفتل وأن يقوم في اليوم الثالث” (لوقا 9: 22؛ راجع أيضًا أعمال 17: 3 و26: 23). من أجل ذلك ليست القيامة، كما قلنا، حدثًا تاريخيًّا عاديًّا. إنّها حدث يخرج عن نطاق التاريخ المعتاد. وقعت في تاريخنا البشريّ لكنّها أتت من خارج هذا التاريخ، بإرادة إلهيّة، وهي أعمّ وأشمل منه. للقيامة “مفعول رجعيّ”، أي تشمَل الذين ماتوا قبلها والذين يأتون بعدها. هذا ما عبّرت عنه الكنيسةُ بنزول السيّد المسيح إلى الجحيم ليقيم جميع الذين رقدوا من آدم وحوّاء إلى هذا اليوم.
هذا في اليوم الأخير. ماذا عن اليوم الحاضر؟ إذا كان ليس لنا في اليوم الأخير قيامةٌ من دون مسيح قائم، هل يكون لنا قيامةٌ في اليوم الحاضر من دون مسيح قائم؟ الجواب هو هو. كلّا. لا قيامة لنا في حياتنا على الأرض من دون مسيح قائم، من دون مسيح حاضر بيننا مثلما كان حاضرًا مع الرسل بعد قيامته. وقد أعطانا هذه الإمكانيّة بالروح القدس الذي أرسله إلينا وبسرّ القربان الذي صنعه لنا وبكلامه الذي تركه لنا. من دون هذه الثلاثة لا حياة لنا كما كان أعلن يسوع نفسه بوضوح. من دون هذه الثلاثة “نموت موتًا” نظير آدم وحوّاء بعد أن انفصلا واستقلّا عن الله بفعل الخطيئة.
لكن، يبدو أنّ خطيئة آدم وحوّاء ما زالت فاعلة في اليوم الحاضر أيضًا، ما زالت تتكرّر في كلّ يوم وفي كلّ ساعة، والإنسانُ يموت موتًا لأنّه، مثلَ آدم وحوّاء، ينفصل عن الله، يبتعد عن الله، يرفض الله، يقتل الله. هؤلاء الذين يعلنون موتَ الله يعلنون بالفعل نفسه موتَ الإنسان، منهم عن معرفة وقصد ومنهم عن جهل وغير قصد. إنّ كلّ ما يجري في العالم من شرّ وجنون شيطانيّ، من انحطاط أخلاق وانعدام قيم، من قتل وتدمير، ليس عند أصحابه مسيحٌ قائم.
أمّا نحن المؤمنين فعندنا مسيح قائم. لكن، بالرغم من ذلك، نرى في هذه الأيّام أنّ قيامتنا ههنا على الأرض تبتعد يومًا بعد يوم وما مَن يؤكّدها لنا كما أكّد السيّد المسيح قيامتنا العامّة بقيامة لعازر وبقيامته هو. ليس من برهان ولا حتّى من دليل على أنّ قيامتنا ليست فقط وشيكة بل أيضًا ممكنة. الظلمات والمضايق الكثيرة والشديدة تحيق بنا حتّى لَتكاد تَخنُقنا. سَبق السيّدُ المسيح وأعلمنا بذلك من دون شكّ قائلًا: “حينئذٍ يسلمونكم إلى الضيق ويقتلونكم ويبغضكم جميع الأمم من أحل اسمي” (متّى 24: 9) ومضيفًا: “من يصبرْ إلى المنتهى فذلك يخلص” (متّى10:22، 24: 13؛ مرقس 13: 13)، لكن، يسأل البعض، إلامَ الانتظار؟ من بقي قادرًا على الانتظار؟ الوقت ليس في صالحنا. فحدَّدَ مَن استطاع المنتهى غيرَ منتظرٍ أن يحدّده غيرُه له، في حينِ يترقّب البعضُ متى يستطيع أن يحدّد المنتهى.
إلّا أنّنا، في هذه الأثناء، نبقى متمسّكين معتصمين بالرجاء، بالمسيح القائم، وساعين في الوقت عينه سعيًا حثيثًا، بكلّ ما أوتينا من وسائلَ وإمكاناتٍ، مع الناس ذوي الإرادة الحسنة، للتخفيف من الخطيئة والشرّ والموت، من أيّ جهة أتت، من أجل إظهار ملامح القيامة، من أجل رسم المنتهى، من أجل حياة هنيّة ومستقبل جميل، مرتّلين مع الكنيسة للمسيح القائم ما رتّلناه منذ قليل: “إنّك وعدتنا وعدًا صادقًا بأن تكون معنا إلى أبد الدهر. فبذا الوعد نعتصم نحن المؤمنين كمرسى رجاء ونبتهج مسرورين” (سحر العيد).
وبعد، أيّها الأحبّاء، يحِلُّ الفصحُ في هذا العام، وقلوبُنا تَدمى من ثقلِ المعاناةِ التي يكابدُها شعبُنا في لبنان وسوريا وفلسطين وسائرِ أرجاء المشرق. لقد تجرّعَ أبناؤنا كلَّ أشكالِ الموت، سواء كان موتاً للجسد، أو وأدًا للأمل، أو سحقًا للكرامة، من مرارة الحروب، وقسوة التهجير، وذُلّ الحِرمان. وفي عتمةِ هذهِ المحن، قد يتساءلُ الكثيرون بنفوسٍ كسيرة: أين هي نعمةُ الله وسطَ هذا الظلام؟ وهل للقيامةِ صوتٌ يعلو ضجيج الموت والألم؟
فلنتذكّر في هذا الصباح المقدّس، في عيد الأعياد وموسم المواسم، القولَ الذي كان بولس يذكّر به تلميذَه تيموثاوس في أيّامَ كانتِ الشدائدُ تنهال عليه: “أُذكرْ يسوعَ المسيح المنحدر من نسل داود، الذي أُنهض من بين الأموات، بحسب إنجيلي، الذي أَحتمل فيه المشقّاتِ حتّى القيودَ كفاعلِ شرٍّ” (2تيم 2: 8-9). أجل، في أيّام الشدائد، في أيّام التعب والغمّ، في أيّام الخوف والموت، فلنتذكّرِ المسيحَ القائم من بين الأموات الذي، يتابع بولسُ تذكيره لتيموثاوس، “إن نحن مُتنا معه فسنحيا معه، وإن صبرنا فسنملك معه” (2تيم 2: 11)، والذي [يسوع]، يُضيف بولس قائلًا لأهل كورنثس، إن كان لم يقم من بين الأموات فنحن إذن أشقى الناس أجمعين وإيماننا باطل. “ولكن لا [يصرخ بولس]، فإنّ المسيح قد قام من بين الأموات باكورةً للراقدين” (1 كور 15: 13-18). “فأين غلبتكَ أيّها الموتُ، أين شوكتكَ أيّها الموتُ؟ […] الشكرُ لله الذي يؤتينا الغلبةَ بربّنا يسوعَ المسيح” (1 كور15: 55-57).
أهنّئكم أيّها الأبناء الأحبّاء وأهنّئ جميعَ أبنائيَ المنتشرينَ في أصقاع الأرض بقيامة ربّنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح بالجسد من بين الأموات، وأرفع الصوتَ لنُنشدَ كلّنا معًا بصوت واحد وقلب واحد، بفرح ورجاء، للعالم كلّه: “المسيحُ قام! حقًّا قام!”.
كلّ عام وأنتم بخير.
+ يوسف
الكنيسة الكاتدرائيّة، دمشق