عبد السّاتر في عيد مار الياس: من يعرف الله في الصّمت يستطيع أن يحمله إلى العالم بالمحبّة وبالسّلام

لمناسبة عيد مار الياس الحيّ، احتفل راعي أبرشيّة بيروت المارونيّة المطران بولس عبد الساتر بالقدّاس الإلهي في كنيسة مار الياس في الريحانيّة، عاونه فيه خادم الرعيّة الخوري يوسف أبي زيد والمتقدم بين الكهنة في قطاع وسط بعبدا، الشوف وعاليه الخوري بيار الشمالي، بمشاركة النائب الأسقفي لشؤون القطاعات المونسنيور بيار أبي صالح، والنائب العام لأبرشية الكلدان المونسنيور رفائيل طرابلسي، ولفيف من الكهنة، وبحضور السيّدة منى الهراوي، والنائب ألان عون، ورئيس بلديّة بعبدا – اللويزة هنري ميشال الحلو وأعضاء المجلس البلدي، وحشد من أبناء الرعيّة وبناتها.
وبعد الإنجيل المقدّس، ألقى المطران عبد الساتر عظة جاء فيها: “أشكر حضرة الخوري يوسف على دعوته لي لأحتفل معكم بعيد شفيع كنيستكم، النبي إيليّا، ولنصلّي معًا على نيّة السلام في لبنان والمنطقة، وعلى نيّتكم أنتم الحاضرين، وعلى نيّة عائلاتكم، وعلى نيّة شفاء مرضاكم والمتألمين من بينكم.
إخوتي وأخواتي،
لنتأمل اليوم معًا، بمناسبة هذا العيد، في شخصية النبي إيليّا، ذلك النبي الغيور لله، الذي وقف بشجاعة يدافع عن الإيمان بالله وسط عالم امتلأ بالأصنام والضجيج. وبعد انتصاره على جبل الكرمل على الوثنية وعلى كهنة الإله بعل، وجد نفسه متعبًا وخائفًا ومختبئًا على جبل حوريب. وهناك انتظر ظهور الله. فجاءت الريح العاصفة، ثم الزلزلة، ثم النار، ولكن الربّ لم يكن فيها. وأخيرًا، وكما يقول لنا الكتاب المقدّس، جاء «صوت نسيم لطيف»، فعرف إيليّا أنّ الربّ حاضر. وخبرة إيليّا تلك تعلّمنا أنّ الله لا يفرض نفسه بضجيج القوة، بل يدخل إلى القلب بهدوء.
نحن أيضًا نعيش في عالم مليء بالأصوات التي تشتت الفكر: أصوات الحرب والقلق واليأس، والأخبار التي تُعرض علينا بشكل متواصل، ووسائل التواصل، والانشغالات اليومية، والهموم التي لا تنتهي. وتعلّمنا خبرة إيليّا أنه لا يمكننا أن نلتقي الربّ يسوع، أو أن نعي حضوره معنا وفينا، إلّا إذا أسكتنا هذا الضجيج الذي فينا ومن حولنا، وقضينا وقتًا مع محور حياتنا، في الصمت والتأمّل بمحبّته الكبيرة لنا، وبعمله الخلاصي من أجلنا. فقد نبحث عن الله في الأمور الاستثنائيّة، بينما هو يأتينا في لحظات الصمت والصلاة بهدوء.ذ
إنّ الصمت المسيحي ليس فراغًا، بل هو امتلاء بحضور الله. فعندما نصمت أمام الربّ، تبدأ قلوبنا بسماع كلمته. وعندما نخصّص وقتًا للصلاة، ولو لبضع دقائق كلّ يوم، يهدأ اضطرابنا، ونكتشف أن الله لم يبتعد عنا، بل نحن، ربما، الذين ابتعدنا عنه، وندرك أنه حاضر دومًا ليعزينا في الأحزان، ويشجعنا في الشدائد، وليحبّنا، فلا نشعر أننا متروكون ومهملون.
لقد خرج إيليّا من الجبل بقلب جديد، لأنّ لقاءه بالله في الصمت أعاد إليه الرجاء والقوة. ونحن أيضًا، كلما التقينا الربّ في الصلاة والصمت والتأمل، ننال منه القوّة والحكمة والتعزية والسلام الحقيقي.
فلنعمل، يا إخوتي وأخواتي، منذ هذا المساء، على أن نترك لله مكانًا في يومنا. لنخصّص وقتًا للصمت أمامه، ولا نسمح لضجيج العالم بأن يملأ حياتنا. ولنطلب نعمة القلب الهادئ الذي يعرف أن يصغي إلى صوت الربّ، لأنّ من يعرف الله في الصمت يستطيع أن يحمله إلى العالم بالمحبّة وبالسلام. آمين”.
كما كانت كلمة للخوري يوسف أبي زيد توجه فيها إلى صاحب السيادة بالقول: “شكرًا سيّدنا لتلبيتكم دعوة المجلس الرعوي، فنحن قطيع صغير يكبر بحضوركم وببركتكم، لأنه حيث الأسقف هناك الإفخارستيا وهناك الكنيسة (إغناطيوس الإنطاكي). أحببنا أن ندعوكم كالأبناء الذين يدعون آباءهم ليكونوا إلى جانبهم، ولنشكركم على اهتمامكم بكنيسة مار الياس وأبنائها، وإننا نطلب بركتكم الأبوية لدعم انطلاقتنا الجديدة فنرعى في سهول المسيح الخصبة، غذاء المحبّة والرجاء والإيمان والحكمة، غذاءً يجعلنا رسلًا نشير إلى الإله الحقيقي، إله النبي إيليّا، هذا الإله الذي أظهر لنا وجهه في ملء الزمن، وجها لطيفا وديعا كالنسيم العليل، وناره تلتهب حبًا من دون ان تحرق. شكرًا سيّدنا على رعايتكم لنا، ونحن نطيع ما يلهمكم الروح به من حقيقة وخير وجمال وكل ما يصبو إلى امتلاء خلاصنا.
شكرا للمونسيور بيار والمونسنيور رفائيل والخوري بيار الشمالي مسؤول القطاع والكهنة والرعايا المجاورة التي حضرت لتشاركنا عيد شفيع رعيّتنا.
شكرًا للمجلس الرعوي وللشبيبة الذين تعبوا في التنظيم والتدبير، وشكرًا للجوقة التي ساعدت الناس على أن يصلّوا مرتين.
شكرًا للسيّدة الأولى منى الهراوي ولسعادة النائب آلان عون على حضورهما، وشكرًا لبلدية بعبدا اللويزة ممثلة بشخص رئيسها هنري الحلو وأعضاء مجلسها على حضورهم وعلى كل ما بذلته لإحياء هذا العيد. شكرًا للذين لبّوا الدعوة والذين لم يستطيعوا ولكنهم هم بقلوبهم معنا، وشكرًا لكل الحاضرين فأنتم الذين صُنع العيد من أجلهم، ونتمنّى أن تغرفوا من ينابيع الخلاص بشفاعة إيليّا نبيّ الربّ الإله له المجد إلى الأبد”.
وبعد القدّاس الإلهي الذي خدمته جوقة الرعيّة، التقى المطران عبد الساتر أبناء الرعيّة وبناتها.