القيامةُ فعلُ إيمانٍ جوهريٌّ. هذا ما نُردِّده في قانون الإيمان:” وننتظر قيامةَ الموتى، وحياةً جديدةً في العالم العتيد”. القيامةُ تُعَبِّر عن استمرار الوجود بشكل مُختلف، وجودٌ يرتقى الى مستوى مُمِجَّد، لا يخضع لحواسنا. كيف؟ الامر يَعود الى الله وحده. وهو لنا الرجاء الحيّ والتعزية كما نصلي يوميّاً في صلاة الصبح، بحسب الطقس الكلداني: ” انت الرجاء والملاذ” (صلاة المساء والصباح، بغداد 2025، ص207). المؤمن يَرى ما لا يُرى، هذا الايمان يُتيح له أن يتحاورَ مع أعماقِ ذاتِه، ويُشَجِّعُه على استخدام كلِّ ما في حوزته لإعداد أبديّتِه، وليس لهلاكه.
نصوصُ القيامة، تؤكد نصوصٌ من العهد الجديد، أن الفراق الجسدي مؤقتٌ، وأن الحياة الأبديّة تغلب على الموت. وأنها فعلُ إيمان ورجاء، لذا يتطلب منّا معرفة جيدة بطبيعة الكتاب المقدس, والانواع الأدبية التي يستعملها، وقراءة نصوصه قراءةً مُعمقة، وبعقلية منفتحة والاستماع الى تعليمه، وليس قراءة سطحية وحرفيّة مثلما فعل البعض مع سفر يونان في الايام الماضيّة. لنبحث عن جوهر الكلمات ومعناها لحياتنا.
الحياة الأبديّة مشروع يَتكَوًّن عندما نُصوِب نظرَنا نحوَ المسيح، ونسعى لتحقيقِ تعليمه ونقبل بوعيٍّ ان تكون لنا :” الحياة هِيَ ٱلْمَسِيحُ، وَٱلْمَوْتَ هُوَ رِبْحٌ” (فيلبي 1/ 21). الايمان الحقيقي ليس انتماءً شكليًّا، أو القيام ببعض ممارساتٍ ظاهرية، بل هو وعيٌّ وشَغفٌ وقناعة داخليّة خَلاّقة. يقول يسوع بكل وضوح لنيقوديموس ولنا “لا يمكن لأحدٍ ان يلتحق بي إلا اذا ولد من فوق(يوحنا 3/ 3 – 5). يقول القديس إقليمس الاسكندري (كتاب المربي): “ أخلاقنا هي بذور الأبديّة فينا“.
جسدُنا، بكونِنا بشراً مخلوقين، سيموت لا محالة، بسبب هشاشتِه كالمرض أو التقدم في السِن، والذي سيتفسخ الى تراب: “لأننا تراب والى التراب نعود” (3/19).علاقة الانسان بالأرض وجوديّة، ولكنها ليست نهائية! الانسان ليس مجرد تراب، انما هو مشروعٌ للحياة. الانا لا تموت… خصوصا بالنسبة للناس الطيبين. انهم يموتون لكن تبقى طيبتُهم وذكراهم معنا، و في ذاكرتنا. بينما الأشرار والفاسدون ولَو أنهم أحياء جسديًّا، لكنهم امواتٌ أدبيًّا ومعنويًّا. وبالرغم من ذلك، نؤمن برحمة الله غير المحدودة، وبكرمه الذي لا ينضب. يتكلم نرساي(†502) عن عينِ الوجدان: “بعين الوجدان )ܪܥܝܢܐ) الخفيَّة نجد الرحمةَ في بيت الدين” (المقالة 3/490).
الموت في المفهوم المسيحي ليس النهاية التعيسة للوجود، بل انتقالٌ إلى الحياة الأبديّة كما نقول بالكلدانيّةܫܘܼܢܵܝܵܐ شونايا أو ܐܸܬܢܼܝܚ ارتاح ، الى حالة ممجدة من الوجود، وذلك بفضل قيامة يسوع المسيح. من هنا نؤمن أن الله لم يخلق الإنسان للهلاك، بل للخلود ليشترك في حياته. إذا عشنا حياتنا كبركة وكشركة مع الله كما يريد، ستكتمل حياتنا بوجود ممجد، بحسب وعد المسيح الضامِن: «لكني سأراكم، فتفرح قلوبُكم ولا ينزع أحدٌ فرحَكم منكم» (يو 16: 22). إنها سعادة لا يقدر أحد أن يَنزعها منّا(لوقا 10/42)، لأنها قائمة على اتحاد أبدي مع الله: “ ملكوت الله في داخلكم “ (لوقا 17/21).
بصراحة، صلاتُنا من أجل أمواتِنا هي تعبيرٌ عن عرفاننا بجميلهم، ولكي لا ننساهم ابداً، وتبقى ذكراهم حيّة في فكرنا وقلبنا، ونتعلم مما كانوا يُمِثِّلونه من سمعةٍ حسنة، وايمان ومحبة ووفاء والتزام ثابت بالقيم وفرح..الخ . خبرتُهم بركةٌ لنا وعِبَرٌ مُلْهِمَة. نستفيد منها لعيش إيمانِنا بنفس الحبِّ و الصدقِ والثقة، فنغدو نموذجاً مصغراً للمسيح، وشهادةَ رجاءٍ للجميع.
الراحة الأبديّة، أعطِهم يا رب، وليُشرقْ عليهم نورُك الأبدي
ساكو : قيامةُ المسيح عربونُ قيامَتِنا، لنُصَوِّب نظرَنا نَحوَهُ.






