قام البابا لاون الرابع عشر هذا السبت بزيارة رسولية إلى إمارة موناكو، وهي الأولى من نوعها لحبر أعظم في العصر الحديث. استهل لاون الرابع عشر برنامجه بزيارة مجاملة إلى الأمير ألبرت الثاني. وفي أعقاب اللقاء أطل البابا من على شرفة القصر ليلقي التحية على الحشود التي تجمعت في الباحة لرؤيته.
وجه لاون الرابع عشر كلمة لسكان الإمارة استهلها قائلا: إن أرضكم تطل على البحر الأبيض المتوسط، وتقع بين دول كانت من الدول المؤسسة لوحدة أوروبا، وتحمل في استقلالها دعوة إلى اللقاء والاهتمام بالصداقة الاجتماعية، وهما أمران يهددهما اليوم مناخ واسع الانتشار من الانغلاق والاكتفاء الذاتي. تابع البابا يقول: إن كونكم دولة صغيرة وإرثكم الروحي الحي، هما غنى يلزمكم بخدمة الحق والعدل، لاسيما في فترة تاريخية حيث استعراض القوة ومنطق الفساد والهيمنة يفسدان العالم ويقوضان السلام. وأكد في هذا السياق أنه من الأهمية بمكان أن نثق بعناية الله حتى عندما يسود الشعور بالعجز أو عدم الاكتفاء، لأننا نؤمن بأن ملكوت الله يشبه حبة خردل صغيرة تصير شجرة.
بعدها توقف الحبر الأعظم عند التكوين التعددي لسكان الإمارة، مشيرا إلى أن هذا الواقع يجعل من موناكو عالما مصغرا، تساهم في ازدهاره أقلية نشيطة من السكان المحليين وأغلبية من المواطنين القادمين من بلدان أخرى، لافتا إلى إن السكن هنا هو بالنسبة للبعض امتياز، وهو للجميع دعوة خاصة للتساؤل عن مكانهم في العالم. هذا ثم قال لاون الرابع عشر إنه في عينَي الله، لا يُعطى شيء عبثا، كما لمح يسوع في مثل الوزنات، فإن ما أُوكل إلينا يجب ألّا يُدفن في الأرض، بل أن يُنشر ويُنمّى في أفق ملكوت الله، الذي هو قريب، لأنه يأتي بيننا ويزعزع هيئات السلطة الظالمة، و”هيكليات الخطيئة” التي تحفر هاوية بين الفقراء والأغنياء، وبين أصحاب الامتيازات والمهمشين، وبين الأصدقاء والأعداء. وذكّر البابا بأن منطق الحرية والمشاركة هذا هو أساس مَثل الدينونة العامة، الذي يضع الفقراء في المقام الأول: فالمسيح الديان، الجالس على العرش، ساوى نفسه مع كل واحد منهم.
تابع البابا لاون الرابع عشر كلمته إلى سكان إمارة موناكو قائلا: أنتم من بين البلدان القليلة في العالم حيث الإيمان الكاثوليكي هو دين الدولة، وهذا يضعنا أمام سيادة يسوع المسيح، التي تلزم المسيحيين بأن يصيروا في العالم ملكوت إخوة وأخوات، وحضورا لا يسحق أحدا بل يرفع، ولا يفرق بل يجمع، وهو مستعد دائما لحماية كل حياة بشرية بمحبة، في كل وقت وكل ظرف، لكي لا يُستثنى أحد أبدا من مائدة الأخوة. وقال البابا إن هذه هي رؤية العناية بالبيئة المتكاملة التي أعلم أنكم تهتمون بها كثيرا. ولفت إلى أنه يوكل إلى إمارة موناكو، نظرا للعلاقة القوية التي تربطها بكنيسة روما، التزاما خاصا جدا في تعميق فهم تعليم الكنيسة الاجتماعي، وتطوير ممارسات صالحة، محلية ودولية، تُظهر قوتها في التغير. وقال إنه حتى في ثقافة غير متدينة، وعلمانية جدا، فإن الطريقة التي تتناول بها سلطة التعليم الكنسية الاجتماعي هذه القضايا يمكن أن تكشف عن النور الكبير الذي يأتي من الإنجيل لزمننا، وهو زمن يجد فيه أناس كثيرون صعوبة كبيرة في الرجاء.
بعدها قال البابا إنه بفضل إيمان أهالي موناكو العريق، سيكونون خبراء في الأمور الجديدة: ليس بالسعي وراء الخيرات الزائلة، التي تكون مرارا أمورا جديدة تتلاشى في موسم واحد، بل باستعدادهم لمواجهة التحديات غير المسبوقة، التي لا يمكن مواجهتها إلّا بقلب حر وعقل مستنير. هذا ثم ذكر البابا لاون الرابع الجميع بما قاله البابا بولس السادس في الذكرى الخامسة والسبعين لصدور الرسالة العامة “في الشؤون الحديثة”: “أنتم تدركون جيدا أننا نحتاج إلى النور كي نبدأ مسيرتنا، ولكي ننمي التقدم الاجتماعي نحتاج إلى عقيدة. فالفكر هو الذي يقود الحياة. وإن كان الفكر مبنيا على الحقيقة، الحقيقة عن الإنسان، وعن العالم، وعن التاريخ، وعن الأشياء، فإن المسيرة يمكن أن تتقدم بثبات وسرعة، وإلّا فإن المسيرة تصير إما بطيئة، أو مترددة، أو صعبة، أو منحرفة، ولفت لاون الرابع عشر إلى أننا نعيش اليوم هذا الواقع.
في ختام كلمته إلى سكان إمارة موناكو قال الحبر الأعظم: “لنتضرع إلى سيدتنا مريم العذراء، كرسي الحكمة وسبب فرحنا، لكي تقودنا دائما بعقولنا وقلوبنا وخياراتنا إلى المسيح، أمير السلام”.
زيارة البابا إلى إمارة موناكو: لاون الرابع عشر يلتقي الأمير ألبرت الثاني ويوجه كلمة إلى سكان الإمارة






