روفيني يشدد على ضرورة أن تبني وسائل الإعلام جسور الشركة الإنسانية

شهد مزار أباريسيدا في البرازيل افتتاح اللقاء الوطني التاسع للرعوية الإعلامية التابعة لمجلس أساقفة البرازيل، تحت عنوان “التبشير في حركة: البعد الرعوي للاتصال”، حيث ألقى رئيس دائرة الاتصالات الفاتيكانية، باولو روفيني، كلمة توقف فيها عند الدور الحقيقي للإعلام في بناء الإنسان والمجتمع، مؤكداً أن الوقت قد حان لأن تتحول وسائل الاتصال إلى أدوات تصنع الشركة الإنسانية وتعزز التضامن بين الناس.
استهل المسؤول الفاتيكاني حديثه بالتأكيد على أن الكلمة المفتاحية في عالم الإعلام اليوم هي “الحفاظ”؛ أي الحفاظ على الوحدة التي تجمع البشر، وعلى مواهبهم وقصصهم وتجاربهم، وكذلك الحفاظ على الخير والجمال والأمل، حتى في أكثر الظروف صعوبة. وأوضح أن رسالة الإعلام المسيحي تقوم على السير مع الناس كـ”تلاميذ ورسل في حركة”، لا وفق منطق السوق أو التسويق، بل عبر رؤية مختلفة تنطلق من خدمة الإنسان وصناعة المستقبل من خلال سرد القصص التي تمنح الأمل.
هذا وأشار روفيني إلى أن العالم يواجه تحديات متسارعة، الأمر الذي يفرض على العاملين في مجال الاتصال ألا يتوقفوا أو يتأخروا عن مواكبة هذه التحولات، بل أن يعملوا معاً لبناء مشاريع تعاون بين المؤسسات الإعلامية في مختلف البلدان، بما يبرز وحدة الأسرة الإنسانية ويؤسس لنظام إعلامي عالمي يقوم على البحث عن الحقيقة وتقاسمها، بعيداً عن المصالح الضيقة أو الحسابات التجارية.
وتوقف عميد دائرة الاتصالات الفاتيكانية عند التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، موضحاً أنه يفتح آفاقاً واسعة أمام المعرفة والتواصل، لكنه في الوقت نفسه يحمل مخاطر حقيقية إذا استُخدم بعيداً عن القيم الإنسانية. وأكد أن الإعلام الذي تنادي به الكنيسة لا يبيع علاقات افتراضية أو اتصالات سطحية، وإنما يبني علاقات حقيقية قائمة على مشاركة الخير والحق والجمال، لأن رسالته تنبع من العطاء والمحبة، لا من الربح أو المصالح الاقتصادية.
وأضاف روفيني أن التواصل القائم على الشهادة الشخصية والعطاء الصادق يمتلك قدرة فريدة على نسج روابط إنسانية متينة، وعلى إخراج الإنسان من العزلة، ومساعدته على الشعور بأنه جزء من مجتمع يحتضنه ويقدّر كرامته. ومن هنا، فإن وظيفة الإعلام لا تقتصر على نقل الأخبار، بل تمتد إلى بناء الثقة وتعزيز روح الانتماء.
هذا ثم استعرض روفيني مبادرتين عمليتين تعتمدان على الحوار واللقاء المباشر بين الناس، الأولى تقوم على جمع أشخاص من خلفيات مختلفة حول مائدة واحدة لتقريب وجهات النظر، والثانية تعتمد على تبادل القصص الشخصية، انطلاقاً من شعار يقول إن أقصر مسافة بين شخصين هي قصة. وأوضح أن مثل هذه المبادرات تؤكد أن تغيير طريقة سرد الأحداث يمكن أن يغيّر أيضاً نظرتنا إلى الآخرين، ويجعل الأمل قوة فاعلة في المجتمع. وأكد أيضا أن الشبكات التي يحتاجها العالم اليوم ليست تلك التي توقع الناس في العزلة أو الاستقطاب، وإنما شبكات تحرر الإنسان وتخدمه. وشبه الكنيسة بشبكة تقوم على الشركة الحقيقية، حيث لا تُقاس العلاقات بعدد الإعجابات أو التفاعلات الرقمية، بل تقوم على الحقيقة والثقة والانتماء المشترك.
وفي معرض حديثه عن المخاطر الإعلامية، حذر المسؤول الفاتيكاني من ظاهرة المعلومات المضللة، حتى عندما تُنشر بحسن نية، لأنها تساهم في انتشار الأخبار الزائفة وتمنحها مزيداً من التأثير. وأوضح أن الاعتياد على التعامل مع الحقيقة والكذب على أنهما أمر واحد يقود إلى نوع من “التنويم” الفكري الذي يحاصر الإنسان داخل شبكة من التضليل، بدلاً من أن يحرره بالمعرفة.
كما أشار إلى أن الذكاء الاصطناعي، رغم فوائده الكبيرة، قد يتحول إلى وسيلة لإنتاج جهل يبدو في صورة معرفة، أو أداة للتلاعب والسيطرة إذا غابت الضوابط الأخلاقية. ولهذا شدد على أهمية التربية الإعلامية، حتى يمتلك الإنسان القدرة على التمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة، ويظل سيد قراراته، لا تابعاً لما تفرضه الخوارزميات أو المنصات الرقمية. ودعا إلى أن تجعل الرعوية الإعلامية من تعليم الاستخدام الواعي لوسائل الإعلام أولوية أساسية، لأن المستقبل لن يتوقف على توفر التكنولوجيا بقدر ما يعتمد على قدرة الإنسان على استخدامها بطريقة مسؤولة تحافظ على كرامته وحريته.
في سياق آخر شدد روفيني على أن الابتكار التكنولوجي لا ينبغي أن ينفصل عن الإنسان أو يتحول إلى مشروع مجرد من القيم. واستشهد بما جاء في تعاليم البابا لاون الرابع عشر حول ضرورة توجيه التغيير بدلاً من الانجراف معه، مؤكداً أن التحدي الحقيقي ليس في امتلاك أحدث التقنيات، بل في توظيفها لخدمة الخير العام وبناء مجتمع أكثر عدلاً وإنسانية. وأضاف أن المرحلة الحالية تتطلب تغييراً في طريقة التفكير، والانتقال من ثقافة تعتبر الاتصال مجرد نقل للمعلومات، إلى ثقافة ترى فيه رسالة إنسانية تقوم على المشاركة والعطاء، مشددا على ضرورة أن يغرس التعليم في الإنسان الرغبة في المعرفة، والقدرة على الحلم، والسعي الدائم إلى الحقيقة.
واختتم روفيني كلمته بالتأكيد على أن الفارق الجوهري بين التواصل الإنساني والتواصل الذي تقوم به الآلات يكمن في قدرة الإنسان على أن يهب نفسه للآخرين بدافع المحبة، وهي قيمة لا تستطيع أي تقنية أو نظام ذكاء اصطناعي أن يحل محلها.
في أعقاب المداخلة عُقدت جلسة حوارية بحضور نحو ألف وخمسمائة مشارك من مختلف أنحاء البلاد، ناقشوا مستقبل الإعلام الرعوي في ظل التحولات الرقمية، وأكد المتحدثون على أن الإنسان سيبقى دائماً محور العملية الإعلامية، وأن التكنولوجيا، مهما تطورت، يجب أن تبقى وسيلة في خدمة الإنسان، لا بديلاً عنه.