“إنَّ المعرفة التي لا تتوجه نحو اللقاء والعدالة هي أساس لكثير من الشرور، كما تشهد على ذلك الأحداث المضطربة التي نعيشها” هذا ما كتبه قداسة البابا لاوُن الرابع عشر في رسالته بمناسبة اليوم الثاني بعد المئة للجامعة الكاثوليكية
بمناسبة اليوم الثاني بعد المئة للجامعة الكاثوليكية وجّه قداسة البابا لاوُن الرابع عشر رسالة إلى المطران ماريو ديلبيني رئيس أساقفة ميلانو، حملت الرسالة توقيع أمين سرِّ دولة حاضرة الفاتيكان بييترو بارولين وكتب فيها إن الأب الأقدس لاوُن الرابع عشر، الذي يستعد للانطلاق في زيارة رسولية إلى أربع دول أفريقية، قد كلفني أن أنقل إليكم رسالته بمناسبة يوم جامعة القلب الأقدس الكاثوليكية. إن الموضوع الذي اخترتموه لهذه الذكرى الثانية بعد المئة يدعو للتأمل في “خبرة المعرفة”. ولتحقيق هذه الغاية، قد يكون من المفيد الانطلاق من التعبير الشهير للقديس بولس في الرسالة الأولى إلى أهل كورنتوس: “لَو كَانَت لِي مَوْهِبَةُ النُّبُوءَةِ، وَكُنْتُ عَالِمًا بِجَمِيعِ الْأَسْرَارِ وَبِالْمَعْرِفَةِ كُلِّهَا، وَلَوْ كَانَ لِيَ الْإِيمَانُ الْكَامِلُ فَأَنْقُلَ الْجِبَالَ، وَلَمْ تَكُن لِيَ الْمَحَبَّةُ، فَمَا أَنَا بِشَيْءٍ”. ماذا يعني أنه من غير الجدوى امتلاك كل المعرفة بدون المحبة؟ لا يتعلق الأمر بمجرد لغة مفارقة لإبراز قيمة المحبة وأهميتها، بل يشير بالأحرى إلى آفاق يمكنها مساعدتنا اليوم أيضاً في فهم ماهية خبرة المعرفة حقاً. إن شهادة الرسول تدفعنا لتعميق ثلاثة جوانب على الأقل.
أولاً، تابع الكاردينال بارولين يقول يتم تذكيرنا بأن المعرفة تولد من حب المعرفة؛ لأن فعل المعرفة هو ثمرة رغبة وحركة دقيقة في النفس البشرية، حتى قبل أن يكون تطبيقاً للذكاء. إن تذكر هذا المبدأ هو أمر أساسي، سواء لتعزيز تنشئة لا تؤدي إلى انغلاق فكري أو استخدامات نفعية وأيديولوجية للمعرفة، أو لضمان معرفة قادرة، من خلال إدراك الحق والخير الموجودين في واقع الأشياء، أن تترجم نفسها أيضاً إلى حكمة حياة.
ثانياً، أضاف أمين سرِّ دولة حاضرة الفاتيكان يقول من المفيد أن نضع في عين الاعتبار أن مثل هذه المعرفة، بانطلاقها من حب ما ندرسه ومن نتواصل معه، تعزز التطور الكامل لقدرات التعلم في سياق يزداد تعقيداً ويحتاج إلى تفاعلات مستمرة بين مختلف مجالات المعرفة. وبالتفكير في دور أماكن التنشئة، قدم البابا فرنسيس بعض المعايير الملهمة لتطوير نهج مناسب: “خبرة البشرى، والحوار على كافة المستويات، وتداخل الاختصاصات وعبرها، وتعزيز ثقافة اللقاء، والحاجة الملحة إلى “بناء الشبكات” والخيارات لصالح الأخيرين، والذين يرفضهم المجتمع وينبذهم. وكذلك القدرة على دمج معارف الرأس والقلب واليدين”. إنها كلها عناصر تبرز الحاجة إلى توسيع آفاق المعرفة لتحقيق خبرة معرفة ساحرة ومؤهلة، دائماً ضمن منطق المحبة. فالمعرفة المنفتحة فقط، والمطورة بهذا الزخم، يمكنها أن تساهم في الخير العام وتتجاوز التشويهات الكثيرة الناجمة عن بحث يهدف فقط إلى الربح الاقتصادي وأهداف الهيمنة. فالمعرفة التي لا تتوجه نحو اللقاء والعدالة هي أساس لكثير من الشرور، كما تشهد على ذلك الأحداث المضطربة التي نعيشها.
أخيراً، تابع الكاردينال بارولين يقول وبالتفكير في عصرنا وظهور تقنيات جديدة مثل الذكاء الاصطناعي، الذي له تأثير واسع حتى على أشكال المعرفة، يبدو جلياً أن عمليات المعرفة لا يمكن اختزالها في إنتاج خوارزميات تزداد قوة باستمرار، بل على العكس، تتطلب مستوى ملائماً من المسؤولية البشرية والتقييم الأخلاقي. يذكرنا البابا لاوُن الرابع عشر بأننا “ككاثوليك، يمكننا ويجب علينا أن نقدّم مساهمتنا، لكي يكتسب الأشخاص – ولاسيما الشباب – القدرة على التفكير النقدي وينموا في حرية الروح”. وفي الواقع، “فكما كانت الثورة الصناعية تتطلب محو الأمية الأساسي للسماح للأشخاص بالتفاعل مع الحداثة، كذلك تتطلب الثورة الرقمية “محو أمية رقمية” (جنباً إلى جنب مع تنشئة إنسانية وثقافية)”.
أضاف أمين سرِّ دولة حاضرة الفاتيكان يقول إن الجامعة الكاثوليكية للقلب الأقدس قادرة على أن تقدّم خبرة معرفة مؤهلة وذات مغزى، من خلال تطوير إلهام الأب أغوستينو جيميلي والطوباوية أرميدا باريلي بأمانة وإبداع: الاعتراف بأنه “في المسيح-الحكمة هناك، في آن واحد، ما هو أخص في إيماننا وما هو أكثر شمولية في الذكاء البشري؛ ولهذا السبب تحديداً، فإن الحكمة، بهذا المعنى، هي المكان الطبيعي للقاء والحوار مع جميع الثقافات وجميع أشكال الفكر”. إن إطلاق الخطة الاستراتيجية الجديدة، وتطوير خطة أفريقيا، والمبادرات العديدة لنشر وتعزيز ثقافة التضامن على المستويين الوطني والدولي، فضلاً عن الالتزام بتعميق رؤية العقيدة الاجتماعية للكنيسة في مختلف مجالات المعرفة، وتعزيز تطورها أمام تحديات غير مسبوقة، هي سمات جامعة مدعوة لتكون مترجماً للإنجيل في المجال التربوي والثقافي، في حوار مستمر مع تعليم الكنيسة.
وخلص أمين سرِّ دولة حاضرة الفاتيكان بييترو بارولين إلى القول وإذ يؤكد قداسة البابا على النظرة المليئة بالمودة والثقة لسلفه المبجل بيوس الحادي عشر، ويُقدِّر التزام جامعة الكاثوليك الإيطاليين، فقد قرر تخصيص مساهمة لهذا المعهد الموقر للدراسات العليا، مفكراً بشكل خاص في الطلاب المتفوقين الذين يملكون إمكانيات أقل. وبينما يجدد قربه ومرافقته الأبوية، يشكر البابا لاوُن الرابع عشر على الصلوات التي تُرفع من أجل خدمته، ويمنح من القلب لسيادتكم، ولرئيس الجامعة الموقر، وللمرشد الروحي العام، ولأعضاء معهد تونيولو، وللأساتذة الأجلاء، وللكادر الفني والإداري ولجميع الطلاب، فيض البركة الرسولية.
رسالة البابا بمناسبة اليوم الثاني بعد المئة للجامعة الكاثوليكية






