جمعية المرسلين الموارنة دعت في أحد الشعانين الى عدم اختزال الإيمان بالمظاهر

ترأس الرئيس العام لجمعية المرسلين اللبنانيين الموارنة الأب الياس سليمان، قداس أحد الشعانين في كنيسة مار يوحنا الحبيب جونية – مقر الرئاسة العامة للجمعية، عاونه في القداس المرسل اللبناني النائب العام الأب مالك بو طانوس، الشدياق الياس وهبه، الشدياق فريدي أبي رزق، إلى جانب عدد من آباء الجمعية والإخوة وسط حضور حشد غفير من المؤمنين.
وفي عظته، توقّف الأب العام عند المعنى الروحي العميق لأحد الشعانين، مشيرًا إلى أنّ “هذا العيد لا يقتصر على المظاهر الخارجية، ولا على الزينة أو الهتافات العابرة، بل هو دعوة لكل مؤمن كي يراجع حقيقة علاقته بالمسيح: هل هي علاقة مبنيّة على القناعة والإيمان والثبات، أم علاقة مرتبطة بالعاطفة اللحظية والانفعال المؤقت؟
وأشار إلى أنّ “الجموع التي استقبلت يسوع يوم دخوله أورشليم بالترحيب والهتاف، هي نفسها الجموع التي سرعان ما تغيّر موقفها بعد أيام قليلة، ما يكشف هشاشة الإنسان حين يبني مواقفه على العاطفة السريعة، أو على تبدّل الآراء، أو على ما يريده الناس، لا على الحقيقة الثابتة”، مشدّدا على أنّ “المؤمن مدعوّ إلى أن يكون ثابتًا في محبته للمسيح، لا تابعًا لموجات الحماس الآنية التي تشتعل بسرعة ثم تخبو بسرعة أكبر”.
كما لفت سليمان إلى أنّ “هذا الواقع لا يخصّ فقط زمن الإنجيل، بل هو حاضر بقوة في عالمنا المعاصر، ولا سيما في ظلّ وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبح الإنسان معرّضًا أكثر فأكثر لمنطق التأثّر السريع، وردّات الفعل الفورية، والأحكام السطحية، والسعي وراء القبول والتصفيق والإعجاب”، موضحا أنّ “المشكلة ليست في الوسائل بحدّ ذاتها، بل في أن يتحوّل الإنسان إلى أسير لما يرضي الناس، أو لما يلقى رواجًا وانتشارًا، بدل أن يبحث عمّا هو حقّ وصالح وثابت أمام الله”.
وشدّد على أنّ “الحقيقة لا تُقاس بعدد المؤيّدين، ولا بعدد المتابعين، ولا بحجم التفاعل، لأنّ الناس قد يصفّقون اليوم وينقلبون غدًا، وقد يرفعون الشخص في لحظة ثم يتركونه في لحظة أخرى. أمّا المؤمن الحقيقي، فهو من يعرف أن يميّز بين الضجيج والحقيقة، بين المظاهر والجوهر، بين الحماس الوقتي والالتزام الصادق. ولذلك، فإنّ أحد الشعانين يضعنا أمام سؤال جوهري: هل نحن نهتف للمسيح من الخارج فقط، أم نستقبله فعلًا في أعماق حياتنا وقراراتنا ومسيرتنا اليومية؟”.
وتابع: “انّ المسيح لم يدخل أورشليم باحثًا عن التصفيق، بل كان متجهًا إلى الصليب، أي إلى ذروة الطاعة والمحبة والعطاء. ومن هنا، فإنّ السير مع المسيح لا يعني فقط مشاركة لحظات الفرح والهتاف، بل أيضًا الاستعداد لمرافقته في طريق البذل، والصبر، والأمانة، واحتمال الصعوبات. فالتلميذ الحقيقي لا يكتفي بأن يحبّ المسيح عندما يكون الطريق مريحًا، بل يبقى أمينًا له أيضًا عندما تصبح الشهادة مكلفة، وعندما تتطلّب المواقف وضوحًا وثباتًا وشجاعة”.
ودعا الرئيس العام المؤمنين إلى “عدم الوقوع في السطحية الروحية، وإلى عدم اختزال الإيمان بالمظاهر أو بالمشاعر العابرة، لأنّ الإيمان الحقيقي يحتاج إلى جذور عميقة، وإلى علاقة حيّة مع الرب، وإلى قرار داخلي ثابت. فكم من أمور تبدو لامعة في البداية ثم تتلاشى، وكم من مواقف يظنّ الإنسان أنّها قويّة، لكنها سرعان ما تنهار عند أول تجربة. أمّا الذي يبني حياته على المسيح، فيبقى ثابتًا، لأنّه يبني على الصخر لا على الرمل، وعلى الحقيقة لا على الانفعال، وعلى النعمة لا على رأي الناس”.
وفي هذا السياق، وجّه سليمان نداءً روحيًا إلى المؤمنين للدخول في أسبوع الآلام بجدّية داخلية، لا كعادة تتكرّر كل سنة، بل كزمن نعمة وتجديد. ودعاهم إلى أن “يعيشوا هذا الأسبوع بروح الصلاة، والتوبة، والتأمل، والمرافقة الصادقة للمسيح في آلامه، لكي يصبح العيد مسيرة تغيير حقيقي في القلب والحياة. فالهتاف للمسيح في أحد الشعانين يجب أن يتحوّل إلى أمانة له في سائر الأيام، وإلى شهادة مسيحية متجذّرة في المحبة والحق”.
وأكد في ختام عظته أنّ “العالم اليوم بحاجة إلى شهود لا إلى مظاهر، وإلى مؤمنين يعرفون كيف يثبتون في الحقّ، لا إلى أشخاص تغيّرهم الظروف وتوجّههم ردّات الفعل والانفعالات السريعة. فالمسيح لا يطلب منا مجرّد كلمات جميلة، بل يطلب قلبًا ثابتًا، وإيمانًا ناضجًا، ومسيرة صادقة، بحيث تصبح “هوشعنا” التي نرفعها في الكنيسة اليوم، موقف حياة يومي، لا مجرد شعار عابر ينتهي بانتهاء الاحتفال”.
وفي نهاية القداس أقيم زياح الشعانين داخل الكنيسة حيث حمل الأطفال والمؤمنون سعف النخيل وأغصان الزيتون والشموع وساروا في مسيرة إيمانية على وقع انشاد التراتيل الكنسية”.