جامعة القديس يوسف احتفلت بعيد شفيعها بوادك: التحدّي اليوم يتمثل بمنع العالم من أن يصبح مجرّدًا من إنسانيّته

احتفلت جامعة القدّيس يوسف في بيروت، بعيد شفيعها القدّيس يوسف، بقداس احتفل به الرئيس الإقليميّ للرهبانيّة اليسوعيّة في الشرق الأدنى والمغرب العربي مع رئيس الجامعة البروفسور فرانسوا بوادك اليسوعيّ، بمشاركة عدد من الآباء اليسوعيين والكهنة، وفي حضور السفير البابوي المونسنيور باولو بورجيا، ممثل المطران بولس عبد الساتر المطران إغناطيوس الأسمر، المطران سيزار أساسيان، المطران كريكور بديشاه، المطران جورج بعقوني، وعدد من أعضاء السلك الدبلوماسيّ، والوزراء والنواب، ورئيس المجلس الأعلى لجامعة القدّيس يوسف والسادة أعضائه، وأعضاء المجلس الاستراتيجيّ للجامعة، ونواب رئيس الجامعة والمديرين والعمداء، ورئيس اتّحاد رابطات قدامى طلّاب جامعة القدّيس يوسف ورؤساء الجمعيّات وأعضائها، وذلك في كنيسة مار يوسف للآباء اليسوعيين في مونو الأشرفية.
ونُقل الاحتفال والخطاب بالبثّ المباشر عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ الرسميّة الخاصّة بالجامعة، بالتزامن مع نقلهما عبر قناة تيلي لوميير، وقد أحيته جوقة جامعة القدّيس يوسف في بيروت.
بعد القدّاس، ألقى رئيس الجامعة خطابه السنويّ، الذي حمل هذا العام عنوان “الجامعة في مواجهة مخاطر عالمٍ يتجرّد من إنسانيَّته”، متناولًا فيه الأوضاع الصعبة التي يشهدها لبنان والعالم، ومشدّدًا على مسؤوليّة الجامعة في هذا السياق.
في مستهلّ كلمته، أشار البروفسور بوادك إلى “استمرار الأزمات”، معتبرًا أنّ “منذ عام، جرت أحداث كثيرة في البلاد وفي المنطقة وفي العالم، غير أنّ الوضع لم يتحسّن، بل ازداد سوءًا”، مؤكّدًا أنّ “الجامعة تحرص على الوقوف إلى جانب جميع أفراد مجتمعها الجامعيّ”، غير أنّ “استجابة جامعتنا للتحدّيّات الراهنة لا يمكن أن تقتصر على الدعم الطارئ والضروريّ فحسب، بل ينبغي أن تكون على مستوى أوسع وأعمق”.
وتوقّف عند رمزيّة خطاب عيد شفيع الجامعة، لافتًا إلى أنّه يشكّل “جزءًا من حياة الجامعة التي تعبّر، في لحظة محدّدة من تاريخها، عن التساؤلات والآمال والقناعات لمجتمعٍ جامعيّ بأسره، وربّما حتّى، في بعض اللحظات، لبلدٍ كامل”.
وفي استحضار لذاكرة الجامعة، شدّد على استمراريّة رسالتها رغم الأزمات، مؤكدًا أنّه “على الرغم من كلّ خيبات الأمل والتعب والإرهاق، لم يتوقّف نبض الحياة عن الخفقان في جسد جامعتنا وقلبها”، مشيرًا إلى أنّه “لا توجد رؤية مثمرة إلّا إذا كانت مشتركة ومُتَّفَق عليها، ولا تكون هناك جامعة إلا إذا استندت إلى جميع مواردها البشريّة والفكريّة والروحيّة، كما أنّها لا تقوم إلا إذا كانت جماعة حقيقيّة يشعر فيها كلّ فرد بالاحترام والتشجيع”.
وفي مقاربة فكرية للمرحلة الراهنة، دعا رئيس الجامعة إلى قراءة معمّقة للواقع، قائلًا: “علينا باستمرار محاولة تمييز علامات الأزمنة، وإعادة قراءة ما يحدث وما يصيبنا”، مشدّدًا على أنّ “الجامعة، اليوم، كما في الأمس، وربّما أكثر من الأمس، لا يمكنها أن تكتفي بمراقبة مرور الزمن من دون محاولة فهم تحدّياته”.
وتناول التحوّلات العالمية المتسارعة، معتبرًا أنّ “في هذه الأزمنة التي نعيشها، نرى أنّ السؤال الخاصّ يكمن في الإنسانيّة نفسها، وهذا هو التحدّي المركزيّ لعصرنا ولوجودنا”، موضحًا أنّه “ببساطة، هذا يعني منع العالم أن يصبح مجرّدًا من إنسانيّته، وهنا يتوجّب على الجامعة أن تؤدّي دورها”.
وفي هذا السياق، شدّد رئيس الجامعة على أنّ “الجامعة مدعوّة إلى الجمع بين التميّز الأكاديميّ ورسالتها الإنسانيّة، وبالتأكيد، يجب أن تكون جامعتنا جامعة ممتازة، ولا يجب أن نخجل ممّا نقدّمه. بالتأكيد، يجب أن تكون في الصفوف الأماميّة في مجال البحث العلميّ، وفي دمج أحدث الابتكارات التقنيّة، سواء في برامجها أو في طريقة عملها نفسها. ونحن نعمل على ذلك”.
كما شدّد على البُعد الدولي للجامعة، معتبرًا أنّه “يجب أن تكون جامعتنا منفتحة على العالم، ومستندة إلى عرض أكاديميّ ثلاثي اللّغات (الفرنسيّة والإنجليزيّة والعربيّة)، ومتّصلة بأفضل الأماكن التي يمكن فيها مواصلة المشاريع الفكريّة، الجامعيّة والمهنيّة والثقافيّة والتقنيّة البارزة وتنميتها”.
غير أنّه أكّد في المقابل أنّ “هذا التميّز، على أهميّته، لا يكفي وحده لتحقيق رسالة الجامعة”، مشيرًا إلى أنّ “لا يمكن للجامعة أن تكون مجرّد مكان لإنتاج المعرفة والمهارات. يجب أن تكون مكانًا لتجربة داخليّة”، في تأكيد واضح على أنّ بناء الإنسان يبقى في صلب المشروع الجامعي. وأضاف أنّه “يجب أن تشجّع الجامعة، وتدعم، وتثير، وتهتمّ بالذات الداخليّة، حيث تتشكّل التأمّلات الراسخة والقناعات التي تلزم العمل”.
وقبل اختتام كلمته، عرض رئيس الجامعة جملة من المواقف الأساسيّة التي ينبغي أن تشكّل ركائز المشروع الجامعيّ، فشدّد “أوّلًا على الاهتمام بالترسيخ، والحياة الداخليّة، والعمق”، داعيًا إلى “تنشئة أشخاص متجذّرين قادرين على الثبات في عالم متقلّب”.
وأكّد “ثانيًا ضرورة، ألّا تكون النفس تابعة للمعتاد المألوف”، بما يعنيه ذلك من يقظة فكريّة وانفتاح دائم على الجديد. أمّا ثالثًا، فيجب امتلاك رؤية شاملة قادرة على ربط المعارف والمعاني في إطار متكامل. ورابعًا، شدّد على أهمّيّة “معرفة الإصغاء والكلام”، معتبرًا أنّ “الإصغاء ليس أبدًا علامة ضعف؛ إنّه المكان الذي يعترف بإنسانيّة الآخر ويحترمها”.
وختم هذه المواقف بالتأكيد على “البعد الإنساني والالتزام المجتمعي”، مشيرًا إلى أنّ “يجب أن تهدف التنشئة، بطريقة أو بأخرى، الى الاهتمام بالآخر، وخدمة المدينة. تشجّع جامعة القدّيس يوسف في بيروت، بطرق مختلفة، خلال فترة الدراسة، على فرص الانخراط الفعليّ في الخدمة. المهارات المكتسبة لا يجب أن تُحفظ فقط لفائدة الفرد الشخصيّة بل يجب أن تكون دائمًا ذات هدف أوسع”.
وأضاف: “أنّ “هذا رهان ليس سهلًا، لكنّه الهدف المقصود عند استخدام الصيغة المعروفة “تنشئة رجال ونساء من أجل الآخرين”، مؤكدًا أنّه “بعد خروجه من الجامعة، يجب على كلّ فرد مزوَّد بغنى ما تعلّمه واكتسبه أن يسأل نفسه كيف سيهتمّ بالإنسانيّة”.
وختم البروفسور بوادك كلمته بالتشديد على المسؤوليّة المشتركة في الحفاظ على رسالة الجامعة، قائلًا: “علينا أن نضمن أن تعتني جامعتنا بإنسانيّة اليوم، وبالتالي بإنسانيّة الغد”، داعيًا إلى “التماسك في هذه المرحلة الدقيقة”، ومؤكدًا أنّ “الجامعة ستؤدّي رسالتها بالكامل، ولن تكون أبدًا جامعة مثل غيرها. تحيا جامعة القدّيس يوسف في بيروت! ويحيا لبنان!”.