بيروت تحت النار: مدارس فارغة وطلاب يصرّون على التعلم رغم القصف

تتابع الأخت وفاء راشد يوميًا، نهارًا وليلًا، ذلك الخطّ المتوهّج للصواريخ التي تشقّ سماء جنوب بيروت. مشهد بات مألوفًا منذ اندلاع هذه الحرب في الثالث من آذار، دون انقطاع. وتقول: «صوت القنابل محفور في آذاننا وقلوبنا. الخوف وانعدام الأمان يسيطران على شوارعنا وصفوفنا الفارغة. وفي بعض الليالي، نلجأ إلى النوم في الطابق السفلي للتخفيف من وقع الانفجارات».
هذه الصفوف الفارغة تعود لمدرسة راهبات المحبة للقديسة جان أنتيد توريه في بعبدا، بمحافظة جبل لبنان. تصفها الأخت راشد، التي تديرها منذ سنوات بتفانٍ وشغف، بأنها كانت واحة «خلابة، تحيط بها الأشجار والخضرة، وتدعو إلى التأمل والتعلّم». لكن ذلك كان قبل أن تغيّر الحرب كل شيء.
نحو 700 طالب، من مسيحيين ومسلمين شيعة من الضاحية الجنوبية، كانوا يملؤون أروقة المدرسة بالحياة، لم يعد بإمكانهم الجلوس على مقاعد الدراسة أو متابعة تعليمهم. وتوضح الأخت: «تم تعليق الدروس لأسباب أمنية. مدرستنا قريبة جدًا من المناطق المستهدفة، والتنقل أصبح خطرًا».
وتضيف أن العديد من العائلات غادرت المدينة بحثًا عن أماكن أكثر أمانًا: «الغالبية العظمى من طلابنا وعائلاتهم تأثرت بهذا النزاع بشكل عميق، وبصورة لا تُمحى». ولم تكن هذه المدرسة الوحيدة التي أُغلقت أبوابها، فمئات المؤسسات التعليمية في بيروت ومناطق أخرى من لبنان -مسيحية وإسلامية وعلمانية- توقفت عن العمل، بل تحوّل بعضها إلى مراكز إيواء لآلاف النازحين.
وتحذّر الأخت راشد من تداعيات هذا الواقع: «إنه عبء لا يُحتمل. فإلى جانب خسارة التعليم، يُحرم الأطفال والشباب من بيئة الحماية والتفاعل الاجتماعي، ما يدفعهم نحو العزلة والهشاشة، بل وحتى القلق. وهذا سيترك أثرًا خطيرًا على صحتهم النفسية». وتخلص إلى القول: «إننا أمام خطر فقدان جيل كامل».
ورغم كل ذلك، تبرز ملامح الصمود بوضوح؛ فالمعلمون يواصلون التعليم عن بُعد متى أمكن، والطلاب يتمسكون بحقهم في التعلّم حتى تحت القصف. وتختم الأخت وفاء راشد: «إنها الروح ذاتها التي يتحلّى بها سكان بيروت: يواصلون العمل، ويعيدون بناء ما تهدّم، ويساندون بعضهم البعض بمحبة. هكذا تتجلّى الرجاء، حتى في قلب المعاناة».