في ليلة 26 إلى 27 آذار 1996، أقدم مسلّحون على اختطاف سبعة رهبان ترابيست من دير تيبحيرين. وفي 30 أيار، عُثر على رؤوسهم، بعد أيام من صدور بيان عن «الجماعة الإسلامية المسلحة» أعلن مقتلهم ذبحًا. وقد أحدث اغتيال رهبان دير «سيدة الأطلس» صدمةً عميقةً في الجزائر والعالم. وفي عام 2010، حاز فيلم «رجال وآلهة» للمخرج كزافييه بوفوا على جائزة التحكيم الكبرى في مهرجان «كان» السينمائي، ما أضفى صدى عالميًا جديدًا على حياة هؤلاء الرهبان.
كانت الجزائر عام 1996 تعيش في قلب «العشرية السوداء»، وهي فترة اتّسمت بأعمال عنف وهجمات إرهابية نفّذتها جماعات إسلامية مسلّحة، قابلتها عمليات قمع، ما أسفر عن سقوط عشرات الآلاف من الضحايا بين أبناء الشعب الجزائري. ورغم التهديدات، لم يفكّر رهبان تيبحيرين يومًا في مغادرة ديرهم، مقتنعين بأن حضورهم الصامت والمصلّي في أرض الإسلام هو حيث دعاهم الله. وكتب الأب كريستيان دو شيرجيه، رئيس الدير، في رسالة أخيرة عثر عليها شقيقه في اليوم التالي لإعلان خبر وفاته «إذا حدث لي يومًا -وقد يكون اليوم- أن أكون ضحية الإرهاب الذي يبدو أنه يستهدف الآن جميع الأجانب المقيمين في الجزائر، فأودّ أن تتذكّر جماعتي وكنيستي وعائلتي أن حياتي وهبتها لله ولهذا البلد».
متجذرون في أرض الجزائر
لقد تجذّر الرهبان في أرض الجزائر، ونسجوا علاقات صداقة متينة مع سكّان المنطقة.
الأخ كريستيان، وكذلك الأخ لوك الذي كان يعالج المرضى في المستوصف عند مدخل الدير، والأخ ميشال الذي تولّى أعمال المطبخ والبستنة، إلى جانب الأخ سيليستين المرنّم، والأخ كريستوف، والأخ برونو، والأخ بول، جميعهم جسّدوا وجه جماعة تعيش بسلام وتكرّس ذاتها لخدمة الفقراء. وقد ازدادت دلالة هذا الحضور الهادئ كلما تصاعد العنف، حتى غدت حياتهم فصلًا بارزًا في تاريخ الحوار مع الإسلام.
وفي شهادة له، يستعيد الصحافي فرنسوا فاين، المولود في الجزائر والذي أمضى فيها 17 عامًا وكان من المقرّبين من الدير، ذكرياته قائلًا «أتذكّر قدمي الأب كريستيان الحافيتين في صندليه المصنوعين من الحبال، عندما كان يفتح الباب. كنت أرى في تلك الصنادل عطاء حياته للآخرين».
يبقى إرث الرهبان السبعة عميقًا ولا يُقاس. فإلى جانب اثني عشر شهيدًا آخر، من بينهم المطران بيار كلافيري، أسقف وهران الذي اغتيل بعد أسابيع قليلة مع سائقه المسلم، أُعلن تطويبهم في 8 كانون الأول 2018 بطلب من البابا فرنسيس. ورغم أن جثامينهم لم يُعثر عليها، أُقيمت سبع شواهد رمزية في حديقة الدير، فيما تنتشر نصب تذكارية لهم في أنحاء مختلفة من العالم، من النروج إلى الولايات المتحدة، مرورًا بجمهورية الكونغو الديمقراطية والكاميرون، وصولًا إلى فرنسا.
الإرث الروحي للرهبان
أما اليوم، فلا يزال الحضور الروحي لرهبان تيبحيرين ملموسًا في المكان. فبعد انتقال الجماعة السيسترسيّة «سيدة الأطلس» إلى المغرب، تولّى الأب جان-ماري لاسوس، وهو كاهن من «إرسالية فرنسا»، العناية بالدير اعتبارًا من عام 2001، حيث كان يأتي إليه تحت حراسة أمنية، محافظًا على البستان والحديقة بمساعدة صديقين من أبناء المنطقة.
ومنذ عام 2016، أوكل رئيس أساقفة الجزائر إلى جماعة «شيمان نوف» مهمة إحياء هذا الموقع واستقبال الزوّار، ولا سيما الحجاج الذين يفدون إليه بأعداد متزايدة، وغالبيتهم من الجزائريين. ويؤكد الأب أوجين لوهمبر، المسؤول عن الجماعة في المكان، أن روح الرهبان لا تزال حاضرة، روح الصمت والسلام والأخوّة.
بعد ثلاثين عامًا على استشهادهم: لا تزال ذكرى رهبان تيبحيرين حيّة






