بطريرك القدس للاتين: السلام لا يُفوَّض إلى أصحاب السلطة، بل يمرّ عبر الاختيار الحر لكل واحد منا

تحوّلت سانتا ماريا دي لوكا، في جنوب إيطاليا، في 14 آب، إلى ملتقى للرجاء والحوار، خلال الاحتفال الختامي للمخيم الدولي «ميثاق لوقا» (Carta di Leuca)، الذي ترأسه بطريرك القدس للاتين، الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بمشاركة شباب من منطقة البحر الأبيض المتوسط.
وفي عظته، وضع الكاردينال أمام الشباب سؤالًا اعتبره جوهريًا في زمن الحروب والانقسامات: «أين أنت أيها الإنسان؟»، داعيًا إلى مواجهة فقدان الإنسانية الذي تغذّيه النزاعات، وإلى إدراك أن السلام لا يصنعه أصحاب السلطة وحدهم، بل يبدأ من الاختيار الحر والمسؤول لكل إنسان.
علامة رجاء وسط بحر من العنف
وتوقف بيتسابالا عند رمزية سانتا ماريا دي لوكا المطلة على البحر، واصفًا إياها بأنها أرض تعرف معنى «الحدود والاستقبال، الرحيل والوصول».
وأشاد بالشباب المشاركين والتزامهم باللقاء والحوار، معتبرًا حضورهم علامة صغيرة لكنها ثمينة وسط واقع يثقله العنف والخوف وانعدام الثقة. وقال: «إنها علامة صغيرة، مهمة وثمينة، تنقذ وسط هذا البحر من العنف والشكوك والمخاوف التي تبدو غالبًا أكبر منا، وتحافظ على منظور سليم وجميل للحياة واللقاء والحوار».
«أين الله؟».. بيتسابالا يقلب السؤال
وانطلق بطريرك القدس في عظته من روايتي سفر التكوين والبشارة، ليتوقف عند السؤال الذي يوجّهه الله إلى الإنسان. وأشار إلى أن المآسي التي شهدتها الأرض المقدسة في الفترة الأخيرة دفعت كثيرين، بمن فيهم المؤمنون، إلى التساؤل عن حضور الله وسط كل هذا الألم.
وقال: «كثيرًا ما يتساءل الناس في الأرض المقدسة، بعد المآسي التي شهدناها في الآونة الأخيرة، وحتى مؤمنونا: أين الله في كل هذا؟». وأضاف: «وأنا أجيب بسؤال الله: ليس أين الله، بل أين أنت أيها الإنسان؟ ماذا فعلنا بإنسانيتنا؟». ورأى بيتسابالا أن هذا السؤال يدعو الإنسان إلى الخروج من شلل الخوف، واستعادة كرامته بوصفه ابنًا لله ومخلوقًا على صورته ومثاله.
عندما يتحول الآخر إلى عدو
وحذّر الكاردينال بشدة من مسار «نزع الإنسانية» عن الآخر، الذي تقود إليه الحروب، حين لا يعود الإنسان يرى في الآخر أخًا، بل عدوًا أو هدفًا ينبغي القضاء عليه.
وأشار إلى أن هذا المنطق يحوّل الآخر إلى «وحش»، ويفتح المجال أمام السخرية المدمّرة والقسوة التي تغذي النزاعات.
وفي مقابل هذا الواقع، دعا إلى استعادة النظرة المسيحية إلى الإنسان، التي تنطلق من كرامته غير القابلة للمساومة، ومن حقيقة أنه مخلوق على صورة الله.
مريم نموذجًا للحرية
وتوقف بيتسابالا عند معنى الحرية من خلال المقارنة بين آدم والعذراء مريم. فبينما اختبأ آدم بعد الخطيئة بدافع الخوف، استقبلت مريم في البشارة دعوة الله إلى «ألا تخاف»، وقبلت دعوتها بحرية.
ورأى أن هذا الموقف يشكل جوهر الشهادة المسيحية في عالم اليوم، ولا سيما في ما يتعلق ببناء السلام.
وقال: «نعتقد أن السلام يجب أن يصنعه رئيس الإقليم أو المحافظة، أو رئيس الولايات المتحدة، أو إسرائيل أو فلسطين… لكنه في الحقيقة يمرّ قبل كل شيء عبر الاختيار الحر لكل واحد منا».
وشدد بذلك على أن السلام ليس مسؤولية يمكن إلقاؤها بالكامل على أصحاب القرار والقوى السياسية، بل هو اختيار شخصي ويومي يبدأ من كل إنسان، ويتغذى من الثقة بكلمة الله.
الكنيسة مدعوة إلى «إنجاب الحياة» وسط الألم
وفي حديثه عن الألم الذي تعيشه غزة والضفة الغربية وسائر المناطق المجروحة بالحروب، أكد بطريرك القدس أن الكنيسة مدعوة، حتى وسط الدموع، إلى أن تكون قادرة على «إنجاب الحياة».
وقال للشباب: «الله لا يمحو البكاء، ولن يكون سعيدًا أبدًا ببكاء الإنسان، لكنه يستطيع أن يعلّمنا، وهو يعلّمنا بالفعل، كيف نعيش داخل بكاء الإنسان وداخل ألمنا بطريقة مختلفة».
وهي دعوة، بحسب بيتسابالا، إلى عدم السماح للألم بأن يقود إلى الانغلاق والخوف واليأس، بل إلى تحويله إلى مساحة للحضور والتعزية والرجاء.
ظهر مستقيم ويد مفتوحة للآخر
وفي ختام عظته، أعرب الكاردينال عن أمله في أن تبقى سانتا ماريا دي لوكا «عينًا مفتوحة» على البحر الأبيض المتوسط، تنظر إلى الأفق ولا تنغلق على ذاتها بدافع الخوف.
وقال إن المطلوب هو «نظرة منفتحة وحرة لا تخاف، لأننا عندما ننظر إلى العلى، وننظر إلى الله، نلتقي بمن يحمل التعزية والحياة والمحبة».
واختتم بيتسابالا بنداء قوي إلى الشباب للعيش بثبات وانفتاح في آن واحد، داعيًا إياهم إلى أن تكون لهم «ظهور مستقيمة، ولكن أيدٍ مفتوحة دائمًا نحو الآخر».