ترأّس راعي أبرشية جونيه المارونية، المطران يوحنا رفيق الورشا، قداس خميس الأسرار – عيد تأسيس سرّ الكهنوت، في كاتدرائية سيّدة العطايا في ادما، بمشاركة لفيف من الكهنة وحضور حشد من المؤمنين.
والقى للمناسبة عظة بعنوان “لأجلهم أقدّس ذاتي” (يو 17: 19)”، قال فيها: هي المرّة الاولى منذ تولّيّ المسؤوليةَ في الأبرشية البطريركية – نيابة جونية التي أحتفل فيها معكم كعائلة كهنوتية بعيد تأسيس سرّ الكهنوت المقدس. إنّها مناسبة مقدّسة نمثل فيها معًا أمام المسيح الكاهن الأعظم لنشكره على نعمة الكهنوت هذه على الرّغم من هشاشتنا ومحدوديتنا. لقد وضع فينا ثقته وائتمننا على بناء ملكوته، ملكوتِ البرّ والفرح والسلام والحقيقة ومواصلة حضورِه في قلب العالم. فأيننا من هذه المهمّة السامية المقدّسة؟ وماذا عن أمانتنا لهذا الحبّ الأول الذي خصّنا به، تلك الشعلةِ التي نفخها فينا بغية أن ننطلق بغيرة رسولية متفانية ساعين أن نعيش ما جاءَ على لسان القديس بولس الرسول: “ما اجملَ اقدام المبشرين بالسلام” (روم 10: 15)”.
واضاف: “هي مناسبةٌ لنضع ذواتنا امامه ونُجري فحص ضمير بجدّية ومسؤولية في ضوء ثلاثة أبعاد من سرّ الكهنوت المقدّس. تلك الجوانبُ الثلاثة تبقى ثابتةً وعلى أساسها ندرك اين اخفقنا او أخلّينا بجمال هذه الدعوة، ومتى حافظنا على الوديعة وكنا رعاةً حقيقيّين على وفق قلبه القدوس؟ أولًا، تتلمذٌ وتعليم، ثانيًا، تقديسُ الذات من أجل تقديس الآخرين، ثالثًا، حسنُ التدبير وخدمةُ المحبة. أوّلًا، تتلمذٌ وتعليم: فلننهلْ من مَعين كلمة الله في الكتب المقدسة ونعلّمها من خلال الوعظ والارشاد والرياضات الروحية والسهرات الانجيلية والتنشئة المسيحية. هذه هي البشرى السارة! شخص المسيح الفادي ونحن سفراؤه، أساقفةً وكهنة، جيلًا بعد جيل من تاريخِ الكنيسة. فكيف نبشرُ بها إن لم نغُصْ في سرّها فتلمسَ قلوبنا. فلنتحلّ بما تميّز به القديس بولس الرسول الذي من شدّة غيرته وحماسه الرسولي أعلن: “الويلُ لي إن لم أبشّر” (1 كو 9: 16). فلنجلس مع مريم أختِ مرتا على قدمَي يسوع لنسمعَ كلامه ونصغيَ إليه فنجدّدَ تتلمذَنا له. نعم! تعليمٌ مقرون بالتتلمذ لننحت شخصيّتنا على مثال المعلّم الإلهي لكي نكون على قدْر انتظاراته منّا، رعاةً حقيقيّين وفق قلبه القدوس، نعاينُ ونختبرُ ونشهد ونعلن”.
وتابع: “إخوتي الكهنة، لا تُهملوا سبر غور الكتب المقدّسة والغوصَ فيها! واكبوا الكنيسة في مضمون تعليمها ومواقفها من المسائل الإيمانية والعلمية والأخلاقية الراهنة. فأنتم، بالتعاون معي كأسقف منكم ولكم، حرّاس الإيمان والساهرون عليه، كلمةً وشهادةً وممارسة، في رعاياكم وفي الأبرشية. ثانيًا، تقديسُ الذات لأجل تقديس شعب الله. في صلاة يسوع الكهنوتية، في انجيل يوحنا، فيما كانت أنظارُه تتجه نحو ذبيحة الصليب فالقيامة، تلفّظ بهذه الكلمات: “لأجلهم أقدّسُ ذاتي” (يو 17: 19)”.
وقال: “بهذه الروحية، وبالاتحاد مع يسوع الذبيحة على الصليب، يعيشُ الكاهن خدمته ناهلًا من هذا النبع الذي لا ينضب من خلال الإفخارستيا حيث التضحية وبذل الذات من أجل الخراف، فيتقدّسَ ويُقدّس. وبحالة الخادم المتواضع يجعلُ من حياته مساحةً واسعة لتلقّي النعم الإلهية للسير في مسيرة التقديس هذه. وهنا يدرك أنّ قوّة عمله ونجاحاته تعود إلى يد الربّ الفاعلة فيه وفي النفوس المؤتمن على قيادتها إلى ميناء الخلاص. ذلك العضدُ يستمدّه من الأسرار والصلوات والتأملات والسجود… فهذه كلُّها وغيرها من الممارسات الروحية نلتمس من خلالها نعمة المسيح الكاهن الازلي لكي يُبقي نار الغيرة الرسولية مشتعلةً بحيث تجعل كهنوتنا لشعب الله وليس لنا نحن”.
واشار الى أنه “هكذا نتذّوق دائمًا جمال دعوتنا فنعيشها بفرح داخلي ونثابر على العمل في حقله مع ما يتطلّب ذلك من التزام بروحية عطاء الذات على مثال المسيح الكاهن الذي قدّم ذاته ذبيحةً للأب السماوي وللبشرية جمعاء. لذا، نحن الكهنة، وبحكم العلاقة الوطيدة بين سرّي الكهنوت والإفخارستيا نصبح خبزًا طيّبًا يؤكل، نعطي ذواتنا على مذبح العالم وفي الوقت عينه نستمد النعم من هذا السر العميق من القداس الإلهي، من السجود للقربان، من سرّ المصالحة والتوبة كما فعل كثيرون لبلوغ القداسة.. نعيش حياتنا بالتضحية والتفاني كما يقول مزمور القراءات في خدمة أحد الكهنة: افنى العمرَ في الخدمة الكهنةُ الأطهار…ثالثًا، حسن التدبير وخدمة المحبة: إنّ الكاهن بهُويته الجوهرية هو خادمٌ بامتياز. فالسلطة المُعطاة له هي سلطة خدمة وانحناء على مثال يسوع الخادم الذي غسل أرجل تلاميذه وعلّمنا أن الكهنوت ليس تسلّطًا أو إكليروسية بل هو تواضعٌ وقربٌ من القطيع وتضامنٌ معه”.
وقال الورشا: “يمرّ شعبنا في زمننا الحاضر أكثر من أي وقت مضى بأزمات متنوّعة تستوجب منا حضورًا فعليًّا إلى جانبهم لكي نمسح كلّ دمعة من عيونهم. من هنا ينبغي علينا أن نكرّس لهم أوقاتًا نرافقهم ونستمع إلى مشاكلهم. إنهم بحاجة إلينا نصغي إليهم فنكون كما يطلب منا قداسة البابا لاون الرابع عشر “سامريّين”، بعيدين عن الإهمال واللامبالاة؛ كهنة وسط القطيع نشعر برائحته…العائلات المفككة، الشباب الضائعين، “الصغار” أي المهمّشين والمتروكين العائشين في الضواحي بجسب تعبير السعيد الذكر البابا فرنسيس… أو في حالة طلاق مع الكنيسة أو نفور منها على حدّ ما ورد في وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني. انطلاقًا ممّا تقدّم من الثوابت الثلاث في الحياة الكهنوتية، وفي إطار تجديد العهد الذي قطعناه مع الربّ يوم مُنحنا رتبة وضع اليد من الأسقف، هل نحن أمناء لقدسية هذا العهد بجدّية مسؤولة أمام ضميرنا الكهنوتي؟ هل نعزّز روح وحدة الجسم الكهنوتي والتحلّق الصافي حول الأسقف رمزِ الوحدة؟ هل نتعالى عن الصغائر، والحسابات الشخصية الضيّقة، ونغلّبُ روح السينودسية الكنسية على الفردانية بحيث ننزلق نحو العيش في جزيرة لا في أبرشية بروح الانتماء الصادق إلى كنيسة المسيح جسد المسيح السّرّي؟ هل أسارع انا ككاهن إلى أخي الكاهن عندما أشعر أنّه يمرّ بأزمة أو صعوبة لأسانده ؟ هل أثمّر مواهبي وطاقاتي ووزناتي مستخرجًا من ذاتي الأفضل لأعكس صورة المسيح راعي الرعاة وسط عالم ملتوٍ؟ هل أجعل من كهنوتي رسالة أحبّها لا وظيفة لربح خسيس؟”.
ودعا جميع المشاركين، مكرّسين ومكرّسات، لجان أوقاف،اليوم لأن تكونوا اليد اليمنى للكهنة وتساعدوهم على عيش هذه الأبعاد التي ذكرتُها وعمّقتها.
وتوجه إلى كلّ واحدٍ وواحدة منكم، من حيث هو، من حيث هي، فلندخلْ في جوّ هذا المناخ الأبرشي، وبروح كنسية إيجابية لعمل ما بوسعنا لنعزّز هذه المسيرة فنأتي جميعًا بالثمار التي يتمجّد بها الآب السماوي.
وختم الورشا: “أيّها الربُّ يسوع، يا ابن الآب السماوي، أرسِل روحك القدوس، ليُضرم في داخلنا نار حبّك، ويوطّد فينا الوحدة والفرح والسلام، آمين”.
الورشا في قداس خميس الاسرار: هل أجعل من كهنوتي رسالة أحبّها لا وظيفة لربح خسيس؟






