بين أروقة مستشفى قلب يسوع في بعبدا، حيث يمتزج عبير الصّلاة برائحة الأمل، وببركة راهبات المحبّة، تحوّل “اليوم العالميّ للمريض” إلى واحة من اللقاء الرّوحيّ والإنسانيّ العميق.
فبمناسبة اليوم العالميّ للمريض (عيد سيّدة لورد)، وبمبادرة رائدة من اللّجنة الأسقفيّة لراعويّة الخدمات الصّحّيّة في لبنان، ارتفعت أصوات التّرانيم في ذبيحة إلهيّة ترأسها سيادة المطران كريكور باديشاه، النّائب البطريركيّ لأبرشيّة بيروت للأرمن الكاثوليك ورئيس اللّجنة، بحضور لفيف من الكهنة والرّهبان، يتقدّمهم المونسينيور بيار أبي صالح، النّائب الأسقفيّ لأبرشيّة بيروت المارونيّة، رئيس دير مار انطونيوس والمعهد الانطونيّ في بعبدا الاب فادي طوق، رئيس مؤسّسة كاريتاس الأب سمير غاوي، الخوري إلياس ضو، المّرشد الرّوحيّ في المستشفى الأب ليبا عساف، و الخوري جوزف نايل.
استهلّ سيادته العظة بتحيّة إجلال لم تكن مجرّد كلمات بروتوكوليّة، بل كانت اعترافاً بالقداسة الكامنة في “الخدمة”. توجّه إلى الجسم الطّبّيّ والتّمريضيّ والإداريّين قائلاً إنّ إخلاصهم حوّل هذا الصّرح من مجرّد مستشفى إلى بيتٍ دافئ يحتضن الوجع. وخصّ بالتّحيّة رئيسة المستشفى الأخت آن سوفيه، ومسؤولة المكتب الإجتماعيّ في المستشفى الاخت لميا تامر، والرّاهبات المكرّسات والكهنة الذين يجعلون من أروقة الغرف هيكلاً، ومن الخدمة “صلاة يوميّة”، مؤكّدين بأفعالهم أنّ المريض ليس “حالة طبّيّة”، بل هو “أيقونة المسيح المتألّم”.
بعد ذلك، تطرّق سيادته إلى رسالة قداسة البابا لاوون الرّابع عشر بمناسبة اليوم العالميّ للمريض، والتي تحمل عنوان: “شفقة السّامريّ: أن نحبّ ونحمل ألم الآخر”، مُفنّداً مفهوم “التّوقّف” في عصر الضّجيج والسّرعة؛ إذ اعتبر أنّ السّامريّ الصّالح لم يقدّم للمريض مالاً فحسب، بل قدّم له أغلى ما يملك: وقته.
وأضاف سيادته أنّ الكاهن واللّاويّ في الإنجيل لم يكونا شرّيرين، لكنّهما كانا مستعجلين ومقيّدين بطقوسهما. وموجّهاً كلامه إلى الطّاقم الطّبّيّ والإداريّين، قال المطران كريكور: “إنّ أثمن ما تقدّمونه ليس مجرّد الوصفة الطّبّيّة، بل هي لحظة التّوقّف. فحين تقفون بجانب السّرير وتمنحون المريض ثوانٍ يشعر فيها أنّه إنسان، هناك يبدأ الشّفاء الحقيقيّ، وتنتعش المناعة الرّوحيّة للمتألّم”.
وانطلاقاً من الفكر البابويّ، أشار سيادته إلى أنّ السّامريّ لم يعمل بمفرده، بل حمل الجريح إلى “صاحب الفندق”. فالعمل في المستشفى ليس جهداً فرديّاً، بل هو “شبكة حياة”؛ الطّبيب يعالج، والمّمرّضة تسهر، والمّوظّف يسهّل، والرّاهبة تصّلّي، لتصبح الكنيسة “جسداً واحداً” يداوي أعضاءه المتألّمة بالحبّ. كما وجّه المطران صرخة روحيّة للتحرّر من “أصنام النّجاح الماديّ”؛ فبمنيا يقيس العالم قيمة الإنسان بإنتاجه، تنبع الكرامة في منطق الكتاب المقدّس من كوننا “محبوبين” من الله. فالمريض، بضعفه وصمته، يتربّع في قلب الكنيسة كونه صورة الله الحيّة، وقيمته لا تنقص بمرضه بل تزداد قداسة.
وفي الختام، أكّد سيادته أنّ نضج الحّضارات يُقاس بكيفيّة تعاملها مع المرضى والضّعفاء، بعيداً عن حسابات السّياسة والاقتصاد؛ إذ إنّ كرامة الإنسان تسمو فوق المادّة، والرّحمة هي الحجر الأساس لبناء مجتمع حقيقيّ.
يُذكر أنّه قبل الذّبيحة الإلهيّة، أقيمت “محطّة لقاء مع المرضى”، حيث جال سيادته في كافّة أقسام المستشفى حاملاً ذخيرة القّدّيس الشّهيد المطران إغناطيوس مالويان، مباركاً المرضى وزارعاً أمل الشّفاء في نفوسهم؛ مقتدياً بالشّهيد مالويان الذي كان “سامريّاً بامتياز”، يتفقّد من نساهم الجميع، من الفجر حتّى المغيب، واضعاً قلبه في جروحهم. وعقب القّدّاس، اجتمع الحاضرون حول “لقمة محبّة” مع جمهور دير راهبات المحبّة، تخليداً لهذه الشّركة الرّوحيّة والإنسانيّة.
المّطران كريكور باديشاه في اليوم العالميّ للمريض: أثمن ما نقدّمه للمريض هو *لحظة التّوقّف*.






