«لقد أدركتُ لماذا تبدو المغفرة صعبة جداً، ولكنها أبداً ليست مستحيلة. أنا أسامح مَن قتل والدايّ، ولو جاءني يوماً طالباً سرّ الاعتراف، سأمنحه الغفران والمصالحة دون تردد. فالمحبة وحدها هي التي تبني السلام وتنتصر على الحقد.»
بهذه الكلمات الصادقة والنابعة من عمق الجرح البشري، يفتتح سيادة المطران منير خير الله، راعي أبرشية البترون المارونية، شهادة حياته التي استحالت بحق “مدرسةً في الغفران”. لم تكن كلماته يوماً مجرد تنظير، بل هي عيشٌ يومي لقرارٍ شجاع اتخذه طفلٌ انتُزع منه والداه في أبشع الظروف.
بذرة التسامح وسط فاجعة الألم
تعود فصول هذه القصة إلى طفولة المطران، وتحديداً في عام 1958. كان يبلغ من العمر خمس سنوات فقط عندما طرقت مأساة قاسية باب عائلته؛ إذ قُتل والداه بوحشية. في لحظة واحدة، وجد الطفل نفسه مع أشقائه الثلاثة – وكان أصغرهم يبلغ من العمر عامين فقط – أيتاماً يواجهون صدمة الفقد العميق وغضب اليتم.
في خضم تلك اللحظة المظلمة، تدخلت خالتهم، والتي كانت راهبة، لتأخذ الأطفال الأربعة للعيش في كنفها. وبدلاً من أن تترك بذور الغضب والحقد تنمو في قلوبهم وتُغذي رغبة الانتقام، قدمت لهم الخالة الراهبة درساً إيمانياً غيّر مسار حياتهم إلى الأبد.
أخذت الخالة الأطفال إلى الكنيسة، وطلبت منهم الركوع، وقالت لهم كلمات حُفرت في وجدان الطفل منير: “لا تصلّوا كثيراً من أجل والديكم، فهما الآن شهيدان أمام الله في السماء. بل صلّوا من أجل مَن قتلهما، واسعوا طوال حياتكم كي تغفروا له. هكذا تكونون بحق أبناء أبيكم الذي في السماوات”.
من الجرح إلى الكهنوت والمغفرة التامة
حمل الأطفال هذه الوصية في قلوبهم وكبروا عليها. ومع مرور السنوات، اختار الشاب منير تكريس حياته لله، والمفارقة المؤثرة التي تجسد انتصار الحياة على الموت، أنه رُسِم كاهناً في نفس يوم الذكرى السنوية لمقتل والديه، ليُحوّل يوم الفاجعة والذكرى الأليمة إلى يوم ولادة روحية جديدة ومحطة للنعمة.
وفي إحدى الخلوات الروحية التي كان يقودها للشباب، لاحظ أن حديثه عن أهمية المصالحة والسلام لم يكن يلقى صدىً في قلوب الشباب المشحونين بالغضب والرافضين للمغفرة. حينها، قرر الكاهن أن يتخلى عن الكلام النظري ويشاركهم جرحه الشخصي وقصته مع قاتل والديه. أخبرهم أنه رغم كل مشاعر الحزن والألم البشري التي مر بها، فقد قرر مسامحة القاتل فعلياً، مؤكداً لهم استعداده التام لمنحه سر المصالحة إن قصده يوماً.
هذه الشهادة الحية، التي نقلها المطران خير الله وصولاً إلى أروقة الفاتيكان خلال أعمال سينودس الأساقفة، تقف اليوم كدليل قاطع على أن الغفران ليس ضعفاً، بل هو أسمى درجات القوة البشرية والروحية، وأن الجراح العميقة يمكن أن تتحول بالنعمة إلى ينابيع للسلام.
المطران منير خير الله شهادة حياته التي استحالت بحق *مدرسةً في الغفران*.






