رسالة راعوية لمناسبة الصوم الأربعينيّ
إلى إخوتي الكهنة الأحباء والراهبات الفاضلات،
وأبناء الكنيسة الأرمنية الكاثوليكية في الإسكندرية وبلاد الانتشار،
وإلى المؤمنين بالمسيح أبناء الكنيسة الواحدة الجامعة المقدسة الرسولية،
الصوم دعوة للإرتداد والسير نحو الله :
بعد أن صام ربّنا يسوع في البرّيّة أربعين يوماً وأربعين ليلةً حتى جاع ، فدنا منه المجرّب وقال له : ” إن كنت أنت ابن الله، فمُرّ أن تصير هذه الحجارةُ أرغفة ” . فأجابه: “مكتوبٌ ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكلّ كلمة تخرج من فم الله” (متّى ٤ : ٣ – ٤).
الصوم الكبير هذه السنة تغنيه نعمة السنة اليوبيلية لكنيستنا الأرمنية التي تحتفل على مستوى العالم بيوبيل ١٧٢٥ سنة على إيمان الشعب الارمني بالسيد المسيح ، وقبول المعممودية على يد القديس كريكور ( غريغوريوس) المنوٍّر سنة ٣٠١ ، ومحلياً في مصر ، على مرور ١٠٠ سنة على تدشين كاتدرائيتنا ” كاتدرائية سيدة البشارة ” في قلب العاصمة المصرية ، القاهرة
أيها الإخوة والأبناء الأحباء ،
أود أن أقدم لكم بعض التأملات حول ما يعنيه الصوم الأربعيني الكبير ، وهو أن نكتشف دعوتنا إلى التوبة و الارتداد التي توجهها رحمة الله إلينا جميعاً .
الصوم عودة إلى قلب الله : الصوم هو “جهاد روحي” نمتنع خلاله إرادياً عن الطعام والشراب تجسيداً للفقر الإختاري ، ليكون لنا رياضة روحية ورحلة محبة وتوبة في ” صحراء المسيح ” التي يلتقي فيها الجميع بالله متجاوزين المناظر الخارجية لندخل إلى عمق قلب الله ، الذي يعتبر مساحة للمحبة الٱلهية التي تجعلنا أن نعيش التواضع ، الذي يُظهر ضمائرنا وقلوبنا ويغيّر حياتنا .
فالصوم الطيّب والمقبول جوهره التوبة القلبية الصادقة عن “الخطيئة” والعودة إلى محبة الله. بنكران الذات على مثال : ” الابن الضال ” ، ” الابن الشاطر” ، كحركة انخلاعه عن تبديد أمواله في عيشة إسراف ، والعودة إلى حضن الآب السماوي ، ويعتبر هذا الصوم : ” صوم من أجل الحب ” ( لوقا ١٥ : ١١ – ٢٤ ) ، ويصيح لنا وسيلة لنرى الله ، وعشق دائم لا حدود له في محبة الله في شخص القريب .
الصوم إنفتاح على نعمة الله :
خلال الصوم نصلي ونتوب مع الكنيسة جمعاء لكي “يَخْلُصَ جَميعُ النَّاسِ” ولكي نكون في مجد السماء متحدين بالمسيح يسوع عريس الكنيسة القائم من بين الأموات “
الكنيسة، الأم والمعلمة، تدعونا لكي نُعدّ قلوبنا وننفتح على نعمة الله لكي نتمكن من أن نحتفل بفرح عظيم بانتصار السيد المسيح الرب على الخطيئة والموت، كما كتب لنا القديس بولس الرسول قاتلاً : ” لقدِ ابتَلَعَ النَّصْرُ المَوت. فأَينَ يا مَوتُ نَصْرُكَ؟ وأَينَ يا مَوتُ شَوكَتُكَ؟ ” إن شوكة الموت هي الخطيئة ، وقوة الخطيئة هي الشريعة . والشكر لله الذي آتانا النُصر عن يد ربنا يسوع المسيح. ( قورنتس الاولى ١٥ : ٥٥ – ٥٧ ) .إن يسوع المسيح، الذي مات وقام، هو محور إيماننا وضامن رجاءنا في وعد الآب العظيم، الذي تحقق بابنه الحبيب يسوع المسيح .
الصوم الأربعيني هو الوقت المقبول للتوبة والمصالحة :
أيها الإخوة والأخوات الأحباء : أناشدكم بما تُعلّمنا إياه الكنيسة المقدسة من خلال القراءات الليتورجية خلال زمن الصوم الأربعيني المبارك. هذا الزمن ليس مجرد جهد من جهودنا البشرية وليس اختراعاً من بين اختراعاتنا الكثيرة. ففي الأيام التي تنفتح أمامنا نؤكد أن يسوع نفسه هو الذي يدخل صحراء حياتنا ليختبر تجاربنا وليضمنا الى موكب التانيين المشاركين في سره الفصحي والمنتصرين بالندامة على الخطيئة والموت.
وفي هذه الأيام الصعبة التي يعيشها العالم على جميع الاصعدة : الحروب والتهجير و المشاكل الإقتصادية والتربوية واللأخلاقية والثقافية وعدم قبول بعضنا ، مع الأسف لضعفنا البشري ، وقلة إيماننا ، يتعرض ايماننا لامتحان عسير ، نشعر برغبة قوية في النظر إلى الرب يسوع لنجدد إيماننا بحضوره الدائم بيننا وبعمله الفعّال في حياتنا .
في هذه الفترة من زمن السر الفصحي ، تذكرنا الكنيسة بأن يسوع نفسه ، وبقوة الروح القدس، وبفضل طاعة إيماننا وإستسلامنا لمشيئته يقف إلى جانبنا ويسير معنا على درب الصحراء حتى نصل معه إلى بستان الفصح حيث قبورنا وقد أصبحت فارغة من الخوف و القلق والألم والموت.
إلإلتزام يحتاج إلى جهاد روحي ضد الخطيئة :
ويقوم التزامنا في الزمن الأربعيني على تحدي الصحراء وعلى مجابهة جفاف حياتنا وأنشطتنا، بدون أن نستنجد بسراب المعجزات أو الحلول الوسط أو فقدان الأمل وأسوأ من ذلك بالخطيئة.
وبفضل هذا الالتزام نتشارك مع يسوع في الثقة بمحبة الآب وبجمال ملكوته. لنتأمل يسوع واقفاً في الصحراء، وهو يجابه التجربة والإحباط والجوع والتعب، ويتكّل على قوة الروح القدس الموعود لكل من يثق به ويسلّم أمره لكلمة الله.
مكتوب أيضاً بأن الله آمين على وعودهِ للمؤمنين به ، فيرسل لنا ملائكته لتعزينا في أتعابنا ولتسندنا في الطريق ، ويفتح أمامنا سفر خروجٍ جديد : من الخطيئة والموت إلى الحياة ، ومن العبودية إلى الحرية ، ومن اليأس إلى الرجاء.
في وقتنا الحاضر ، في كنائسنا ورعايانا وعائلاتنا ، نستطيع أن نحتفل بالزمن المقبول إذا فتحنا مجالاً واسعاً لسماع كلام الله. وإذا صمنا عن الأنانية ، وقبلنا الفقير البأس والمشرّد والمحتاج. وإذا فرّغنا حياتنا من كل ضمانة مزيفة وانفتحنا على عطية الله وعلى نعمة المشاركة اليومية مع بعضنا ، سننعم بخصوبة الفصح والحياة الحقيقية النابعة من بذل الذات والتضحية في سبيل الآخرين ، إخوة يسوع الصغار .
أحبائي :
” أناشدكم ألا تقبلوا نعمة الله باطلًا.” (قورنتس الثانية ٦ : ١). في هذا الزمن المقبول ليحاول كل واحد منا أن يجد وقتا للإصغاء إلى كلام الله بشكل فردي أو جماعي . لنذهب إلى الكنيسة لنصغي إلى كلام الله بدلاً من الإصغاء إلى أنفسنا ، أو إلى بعضنا بالكلام والأحاديث الفارغة . ولنتقدم بإيمان وتواضع من سر التوبة والمصالحة. ومن سر الإفخارستيا ، والمشاركة في صلوات درب الصليب ، ولا نعتبر هذه الأسرار مجرّد طقوس علينا أن تمارسها ، بل هي مدرسة نتعلم فيها بذل الذات وقبول الحبّ والعطاء، ومنها نشبع جوعنا إلى الحياة والسعادة. ولنحاول العطاء أكثر من الأخذ ، لأن سبب وجودنا وعملنا كمسيحيين ليس خدمة أنفسنا بل الآخرين، وخلاصهم الأبدي.
نطلب من الروح القدس الذي قاد يسوع إلى البرية أن يقودنا إلى صحراء العالم (لو ٤: ١) ، وأن يحوّل إيماننا إلى بستانٍ فصحي تزهر فيه الفضائل الإلهية : الإيمان والرجاء والمحبة ، ويرافقنا ويهيّئنا لقبول الحياة الجديدة في المسيح ، ومع المسيح الحاضر دائماً بيننا ، بشفاعة القديسة مريم والدة الإله ، والقديسين كريكور (غريغوريوس) المنوِّر ، و اوغسطينوس ابن الدموع ، والقديس الشهيد إغناطيوس مالويان .
أتمنى لكم مسيرةَ توبة مقبولة ومثمرة في صحراء المسيح .
صدرت عن كرسينا الأسقفي في ١٢ شباط / فبراير ٢٠٢٦
في عيد القديس فارطان ورفقائه شهداء الإيمان (+٤٥١)
وهي السنة الثانية والعشرين لحبريتنا
بنعمة الله اسقف الإسكندرية للأرمن
المطران كريكور أوغسطينوس كوسا
الكاثوليك






