في كابلة القديس بولس، وأمام البابا لاوُن الرابع عشر وأعضاء الكوريا الرومانية، قدّم أسقف تروندهايم المطران إريك فاردن تأملين عميقين اتخذا طابعاً روحيّاً صارماً وواقعيّاً، دعا فيهما الكنيسة إلى الرجوع إلى جوهر الحقيقة واليقظة أمام خطر السقوط الداخلي.
في التأمل الخامس، الذي يحمل عنوان “بهاء الحقيقة”، انطلق الواعظ من فكر القديس برناردوس ليؤكد أن التجارب ليست استثناءً في الحياة المسيحية بل هي جزء من مسيرتها، وأنها تصبح نافعة حين تقوّي التزام الإنسان بالحقيقة في مواجهة “أبو الكذب”. فمقاومة الزيف لا تحرّر الفرد فحسب، بل تجعله قادراً على تثبيت الآخرين. وفي هذا السياق حذّر من الطموح، معتبراً إياه إنكاراً للحقيقة ومرضاً روحياً خفياً يُفسد الفضائل ويحوّل القداسة إلى مظهر فارغ، خصوصاً حين يظهر في الذين نذروا حياتهم للخدمة.
وتوقف عند السؤال الوجودي “ما هي الحقيقة؟”، مشدداً على أن الكنيسة لا يمكنها أن تتركه بلا جواب أو أن تبدّد طاقاتها في مجد باطل أو خوف أو تجارب سطحية. فالمسيح، بصفته الحقيقة، لا يحمي الكنيسة فحسب بل يجدّدها ويكشف ذاته من خلالها لعالم يزداد شعوراً بالعبث. وحذّر من محاولة الكنيسة مجاراة أهواء العصر، مؤكداً أن أصالتها تكمن في لغتها الخاصة: لغة الكتاب المقدس والليتورجيا والتراث الحي للقديسين، القادرة على إعلان الحقائق الأزلية بثوب متجدّد. وذكّر بأن القداسة، لا الخطاب فقط، هي ما يقنع الإنسان المعاصر، إذ إن الدعوة الشاملة إلى القداسة — كما أبرز المجمع الفاتيكاني الثاني — هي التجسيد الشخصي المشرق للحقيقة من خلال محبة تضحية لا تعرف المساومة.
أما التأمل السادس، الذي حمل عنوان “سقوط الآلاف”، فقد اتسم بنبرة واقعية صارمة تجاه السقطات داخل الكنيسة. وأقرّ بأن بعض السقطات يمكنها أن تقود إلى التواضع واختبار رحمة الله، لكنه شدد على أن هناك سقطات مدمّرة تترك آثاراً طويلة من الخراب وتجرف الأبرياء معها. واعتبر أن أخطر ما أضعف شهادة الكنيسة تاريخياً لم يكن اضطهاد العالم بل الفساد الذي نشأ في داخلها، وهو جرح يحتاج إلى زمن وعدالة ودموع ليُشفى.
وحذّر من التفسيرات السطحية التي تكتفي بتقسيم الواقع إلى “وحوش” و”ضحايا”، مشيراً إلى أن الكنيسة تملك أدوات روحية أدق لفهم التناقض بين بدايات ملهمة ومسارات انحرفت لاحقاً. فحيث توجد جهود نبيلة، تكون الهجمات الروحية أشد، لأن المعركة الحقيقية تدور في العمق الروحي للإنسان. ومع ذلك، لا يُرجع برناردوس الانحرافات إلى قوى شريرة مجردة بقدر ما يحمّل الإنسان مسؤولية حريته، مذكّراً بأن الطبيعة البشرية واحدة، وأن التعمق الروحي يكشف أيضاً ضعفاً وجوعاً وجودياً ورغبة في الراحة قد تتخذ أشكالاً خطيرة إن لم تُهذَّب. وشدد فاردن على أن التقدم الروحي يتطلب تناغم “الأنا” الجسدية والعاطفية مع النضج التأملي، وإلا فإن الانكشاف الروحي قد يبحث عن منافذ غير سليمة تُبرَّر زيفاً على أنها سامية. كما لفت إلى أن نزاهة المرشد الروحي لا تظهر في تعليمه فقط، بل في تفاصيل حياته اليومية: عاداته، سلوكه، وتحرره من التملق. وختم بالتأكيد أن الحياة الروحية ليست إضافة هامشية، بل روح الوجود كله، رافضاً أي ثنائية بين الجسد والروح، لأن “الكلمة صار جسداً”. ومن هنا تأتي الدعوة إلى السهر على البعدين معاً، الجسدي والروحي، حتى يملك المسيح بسلام في الإنسان كله، فيتحقق النضج المتكامل الذي يحفظ الكنيسة من السقوط ويجعل شهادتها للحقيقة أكثر إشراقاً ومصداقية.
المطران فاردن: التجارب ليست استثناءً في الحياة المسيحية بل هي جزء من مسيرتها






