ترأّس رئيس أساقفة أبرشيّة طرابلس المارونيّة المطران يوسف سويف السامي الاحترام، مساء السبت 29 آب 2026، القدّاس الإلهي في كنيسة مار شليطا القراقير – وادي مزيارة، في إطار الحجّ السنوي إلى هذا المكان المقدّس، بمشاركة عدد من الكهنة والشمّاس وحشد من المؤمنين.
وفي عظته، شكر المطران سويف الله على نعمة هذا الحجّ، مستعيدًا ذكرياته الشخصيّة مع دير مار شليطا منذ ثمانينيّات القرن الماضي، ومثمّنًا جهود كلّ الذين عملوا على ترميم المكان والمحافظة عليه والعناية به، مستذكرًا بصورة خاصة الراحلة راحيل وكلّ من تابع رسالتها في خدمة الدير.
وأكد سويف أن قيمة هذا المكان لا تكمن في حجارته فحسب، بل في تاريخه الروحي العريق وفي القدّيسين الذين عاشوا وصلّوا في هذه المنطقة، معتبرًا أن وادي مزيارة يشكّل امتدادًا للتراث الروحي للوادي المقدّس وقاديشا. وقال إن العودة السنويّة إلى هذا الدير ليست مجرّد حنين إلى الماضي أو اهتمام بالتاريخ والآثار، بل هي عودة إلى الجذور من أجل تجديد الإيمان بيسوع المسيح.
وتوقّف عند ذكرى قطع رأس القديس يوحنا المعمدان، فرأى فيه صورة الشهيد الأمين الذي لم يتراجع عن الشهادة للحقّ مهما كان الثمن، لأن المسيح هو «الطريق والحق والحياة». ومن هنا انتقل إلى إنجيل التطويبات، داعيًا المؤمنين إلى عدم الاكتفاء بالإعجاب بكلمات الإنجيل، بل إلى تحويلها نهجًا ملموسًا في الحياة.
وشدّد بصورة خاصة على تطويبة الرحمة، محذّرًا من ثقافة الإدانة التي تجعل الإنسان يزيد آلام أخيه بدل أن يخفّفها عنه، وقال إن الإنسان قد «يقتل» الآخر بفكره ولسانه وكلامه، حتى من دون أن يمسّ جسده. وأضاف أن المسيحي مدعو إلى أن يرحم كما رحمه الله، ولا سيما عندما يختبر شخصيًا نعمة التوبة والغفران.
وفي قراءة للواقع الإنساني الراهن، أسف المطران سويف لمنطق الحروب والمصالح والسيطرة الذي يحوّل حياة الأبرياء والجرحى والمظلومين إلى مجرّد أرقام في حسابات الدول والاستراتيجيات، مؤكدًا أن الإنجيل يضع أمام العالم منطقًا مختلفًا: «طوبى للرحماء لأنهم يُرحمون، وطوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يُدعون».
وأوضح أن السلام الحقيقي يرتبط بالعدالة وبحق كل إنسان، المخلوق على صورة الله ومثاله، في أن يعيش بكرامة واستقرار وطمأنينة. ومن يصنع السلام ويعمل من أجل كرامة أخيه الإنسان يصبح شاهدًا حقيقيًا للمسيح في قلب العالم.
كما دعا سويف إلى الأمانة للمسيح في مختلف تفاصيل الحياة، رافضًا الفصل بين الإيمان والممارسة اليومية، وقال إن المسيحي لا يستطيع أن يكون مع المسيح داخل الكنيسة ثم يتحوّل إلى شخص آخر في حياته العائلية والاجتماعية والمهنية، واصفًا هذا التناقض بـ**«الانفصام في الشخصية المسيحية»**.
وأضاف: «ما فيّي أنا كون مع المسيح à la carte»، أي أن نختار من الإنجيل ما يناسبنا ونؤجّل ما يزعجنا أو يتطلّب منّا تضحية. فاتباع المسيح، بحسب سويف، هو قرار يشمل الحياة بكاملها، والمسيح يمنح الإنسان النعمة والقوة متى امتلك الإرادة والتصميم للسير معه.
وتناول معنى الصليب في حياة المؤمن، مؤكدًا أن السير مع المسيح لا يعني البحث عن النجاحات والأمور الجميلة فقط، بل الاستعداد لمرافقته في الألم ودرب الجلجلة وحمل الصليب. ومن هذا المنطلق، دعا إلى كسر منطق «الكرامة وعزّة النفس» عندما يتحوّل إلى عائق أمام المصالحة، وإلى امتلاك الجرأة على المبادرة نحو من أساء إلينا، وطرق بابه ومسامحته وطيّ صفحة الخلاف.
وقال إن عنوان الحياة المسيحية واضح وهو «صليب الرب»، مستشهدًا بصورة حبّة الحنطة التي تموت في الأرض لتعطي ثمرًا كثيرًا، ومؤكدًا أن من يعرف أن يتحمّل أخاه ويغفر ويصفح يختبر نعمًا تفوق ما يتصوّره.
وفي ختام عظته، دعا المطران سويف المؤمنين إلى أن يجعلوا من حجّهم إلى مار شليطا مناسبة لتجديد عهدهم مع المسيح، وأن يطلبوا منه أمام المذبح أن يجدّدهم ويقوّيهم ويثبّتهم، على مثال القديسين والشهداء، ليعيشوا حياتهم بفرح وسلام ويكونوا شهودًا حقيقيين له في العالم.
المطران سويف من دير مار شليطا القراقير: لا يمكن أن نكون مع المسيح «على الطلب»… فالأمانة له تُترجم رحمةً وسلامًا وغفرانًا






