المطران سويف في عيد ميلاد العذراء: لبنان بحاجة إلى مَن يخدمه لا إلى الكلام فقط

ترأّس رئيس أساقفة أبرشيّة طرابلس المارونيّة المطران يوسف سويف، مساء الإثنين 7 أيلول 2026، القدّاس الإلهي بمناسبة عيد ميلاد السيّدة العذراء، في مزار سيّدة شحلو في القبيّات، بحضور الخوارنة الأسقفيّين والآباء الكهنة والراهبات، إلى جانب عدد من الشخصيّات الرسميّة والمؤمنين.
وفي مستهلّ عظته، عبّر المطران سويف عن فرحه بالاحتفال للمرّة الأولى، بصفته راعيًا للأبرشيّة، في هذا المزار المقدّس، مستعيدًا ذكريات زياراته إليه عندما كان كاهنًا. كما شكر العائلة الساهرة على الوقف والمزار، وحيّا أبناء رعايا القبيّات والمنطقة، مشيرًا إلى الموقع المميّز للمزار وإلى رمزيّته الروحيّة، إذ تبدو العذراء مريم حاضرة في قلب البيت وبين أبنائها، تستقبل كلّ مَن يقصدها للصلاة ولقاء الربّ في أجواء من السكينة والحميميّة.
وتوقّف عند أيقونة العذراء في الكنيسة، واصفًا إيّاها بأنّها غنيّة بالمعاني اللاهوتيّة، إذ تظهر مريم حاملةً ابنها يسوع المخلّص ومتوجةً ملكةً للسماء والأرض والقلوب، فيما يضع الطفل يسوع يده على خدّها في مشهدٍ يجسّد الحنان والشكر. وقال إنّ المسيح، باسم البشريّة التي تجسّد من أجل خلاصها، يكرّم أمّه ويشكرها على قبولها الدور الذي أراده الله لها في تاريخ الخلاص.
وأوضح المطران سويف أنّ العذراء لم تسعَ يومًا إلى أن يتحدّث الناس عنها أو يمجّدوها، بل كان همّها الوحيد أن تقود البشريّة نحو ابنها يسوع المسيح، المخلّص والفادي. فمنذ لحظة البشارة، قبلت مريم كلمة الله ومشروعه في حياتها، وحملت الكلمة الذي صار جسدًا، لتصبح شريكة في تدبير الخلاص الذي تحقّق بموت المسيح على الصليب وقيامته من بين الأموات.
ودعا المؤمنين، في عيد ميلاد العذراء، إلى التأمّل في ثلاث فضائل أساسيّة جسّدتها مريم في حياتها. أولى هذه الفضائل هي قبول مشروع الله، مؤكّدًا أنّ لكلّ إنسان على وجه الأرض دعوةً ورسالة، وليس مشروع الله محصورًا بالحياة الكهنوتيّة أو الرهبانيّة، بل يشمل كلّ رجل وامرأة وأب وأم وشاب وصبيّة. وأضاف أنّه، وسط الحيرة والشكّ وخيبات الأمل، يبقى المؤمن مدعوًّا إلى أن يترك فسحةً لعمل الله والروح القدس في حياته، مردّدًا مع العذراء: «أنا أمة الربّ، فليكن لي بحسب قولك».
أما الفضيلة الثانية، فهي التواضع الذي شكّل جوهر حياة مريم، كما عبّرت عنه في نشيدها: «تعظّم نفسي الربّ وتبتهج روحي بالله مخلّصي»، و«أنزل المتكبّرين عن الكراسي ورفع المتواضعين». وشدّد المطران سويف على أنّ المسيحيّة لا يمكن أن تُعاش بسطحيّة أو أن تُختزل في بعدها الاجتماعي، بل تتطلّب قبول مشروع الله وقبول الإنسان الآخر بتواضع ومحبّة.
ولفت إلى أنّ الكبرياء تقف غالبًا خلف الكثير من الأزمات العائليّة والانقسامات والمشكلات التي تهدّد البيوت، في حين يفتح التواضع والروحانيّة والإنسانيّة الأبواب أمام الحلول والمصالحة. ودعا الجميع إلى طلب نعمة التواضع من الله، لكي تصبح العائلات والبيوت مساحات لقاء وتفاهم وسلام.
أما الفضيلة الثالثة، فهي الانطلاق نحو الآخر وخدمته، مستشهدًا بزيارة العذراء مريم لنسيبتها أليصابات، إذ لم تكتفِ بالصلاة من أجلها، بل «ذهبت مسرعة إلى الجبل» لتقف إلى جانبها وتخدمها. وأكّد أنّ الإيمان الحقيقي يجب أن يتجسّد في الحضور والأعمال والخدمة، لأنّ الصلاة والتضامن الروحي لا ينفصلان عن المبادرة الفعليّة للقاء الإنسان المحتاج ومساندته.
وفي ختام عظته، رفع المطران سويف الصلاة بشفاعة العذراء مريم، سيّدة شحلو، لكي تبارك العائلات والبيوت والأطفال والشبيبة، وتحمي لبنان في أزماته. وقال: «لبنان بحاجة إلى خدّام، وليس فقط إلى أشخاص يتكلّمون. الكلام مهمّ، ولكن إلى جانبه نحتاج إلى مَن يخدم المجتمع والإنسان فعليًّا».
ودعا المؤمنين إلى عدم فقدان الإيمان والرجاء، رغم مسيرة الجلجلة التي يمرّ بها الوطن، مؤكّدًا أنّ القيامة تبقى أقوى من الأزمات، وأنّ المسيح القائم من بين الأموات هو الذي يقوّي أبناءه ويثبّتهم، لكي يكونوا شهودًا حقيقيّين له ولأمّه العذراء مريم.