المطران سويف في عيد مار منصور: قوّة الكنيسة ليست بالعضلات بل بالمحبّة والغفران وخدمة الضعفاء

ترأّس رئيس أساقفة أبرشيّة طرابلس المارونيّة المطران يوسف سويف، يوم الأحد 27 أيلول 2026، قدّاسًا إلهيًّا بمناسبة عيد مار منصور، لدى راهبات المحبّة في القبيّات.
وشارك في القداس الاحتفالي النائب الأسقفي الخاص بمنطقة عكّار المونسينيور الياس جرجس، الأب ريمون عبدو رئيس دير الآباء الكرمليين – القبيات، إلى جانب لفيف من كهنة الأبرشيّة والرهبان الكرمليّين، وعدد من راهبات المحبّة تقدّمتهنّ الأم الرئيسة أنطوانيت عزار – رئيسة دير ومدرسة راهبات المحبة، وحشد من المؤمنين.
وفي مستهلّ عظته، قدّم المطران سويف التهاني بعيد مار منصور، ولا سيّما إلى راهبات المحبّة اللواتي يعشن روحانيّته، وإلى الآباء اللعازريّين والعائلة المنصوريّة والكنيسة التي ما زالت تتأثّر بحياة هذا القدّيس ورسالته، على الرغم من مرور قرون على رحيله.
وانطلق المطران سويف من كلام النبي أشعيا الذي أعلنه يسوع في المجمع: «روح الربّ عليّ، مسحني وأرسلني لأبشّر الفقراء وأطلق الأسرى وأشفي العميان»، فرأى أنّ مار منصور تأمّل في المسيح على ضوء هذه النبوءة التي تحقّقت فيه، وجعل منها أساسًا لمسيرته الروحيّة والرسوليّة.
وأوضح أنّ يسوع المسيح، وهو الغني ومصدر كل غنى، افتقر وشارك الإنسان فقره ليغنيه، وهو الحياة دخل إلى بشريّتنا المائتة ومات من أجلنا ليعيد إلينا الحياة. كما أنّه، وهو مصدر الحرّية، قَبِل الأسر والألم والصليب، ومات كالمجرمين واللصوص، ليمنح الإنسان بقيامته الحرّية الحقيقيّة.
وشدّد على أنّ حقيقة الخلاص دخلت إلى قلب مار منصور وفكره وكيانه، ففهم أنّ مسحة الروح القدس ليست نهاية الطريق، بل بداية الرسالة، إذ إنّ عبارة «مسحني» تكتمل بعبارة «أرسلني».
وأضاف: «نحن أبناء الكنيسة، المعمّدين والمعمّدات، مُسحنا بالروح القدس وخُتمنا بيسوع المسيح وصليبه، ولكن لا يمكننا أن نضع نقطة في نهاية السطر. فبعد أن مُسحنا، أُرسلنا إلى العالم».
وأشار المطران سويف إلى أنّ اللقاء الشخصي بالمسيح لا يكتمل ما لم يتحوّل إلى انطلاق نحو الآخرين، ولا سيّما الفقراء والمجروحين والمتألّمين والمأسورين بقيود الحياة. وقال إنّ فرح مار منصور بلقاء يسوع اكتمل حين لبّى نداء الربّ وانطلق إلى خدمة الفقراء، فأصبح قدّيسهم وشاهدًا حيًّا لمحبّة المسيح.
ودعا الكنيسة إلى تجديد أولويّاتها، فتكون بحقّ «كنيسة الفقراء»، تنطلق نحو جميع الناس، من أبنائها وخارجهم، وتلتقي الإنسان المتألّم والمريض والمجروح. وأكّد أنّ خدمة المحبّة ليست مسؤولية الجمعيّات والرهبانيّات وحدها، بل رسالة كل معمّد ومعمّدة، لافتًا إلى أنّ تنظيم العمل الخيري ضروري، لكنّه يجب أولًا أن ينبع من القلب ومن القناعة بأنّ خدمة الآخر هي الطريق لنكون كنيسة يسوع.
وتوقّف المطران سويف عند الزيارة الرسوليّة التي قام بها البابا لاوُن الرابع عشر إلى فرنسا، معتبرًا أنّ محطّاتها حملت آفاقًا وأبعادًا روحيّة لافتة، وكشفت أنّ فرنسا لم تفقد إيمانها كما ظنّ البعض، لأنّ الإنسان ليس سيّد الزمن والتاريخ والجغرافيا، بل المسيح وحده هو سيّدها، وهو القادر على أن ينفخ الروح مجدّدًا في العظام الميتة.
ولفت إلى أنّ المشهد الأبرز خلال الزيارة كان حضور الشباب الذين بدأوا يطرحون من جديد أسئلة المعنى والهويّة: «من نحن؟ ما معنى حياتنا؟ وأين هو موقع يسوع في مجتمعنا؟»، مشيرًا إلى أنّ فرنسا التي عُرفت تاريخيًّا بأنّها «الابنة الكبرى للكنيسة»، تشهد اليوم علامات تجدّد بعمل الروح القدس.
وقال: «حيث يوجد التواضع يتجدّد الإيمان، وحيث توجد المحبّة يتجدّد الإيمان. وحين يعترف الإنسان بضعفه وخطيئته أمام عظمة الله اللامتناهية، تبدأ حياته بالتجدّد».
وفي الشأن المشرقي، دعا المطران سويف المسيحيّين إلى عدم الخوف، محذّرًا من اختزال الإيمان بنوع من التديّن الاجتماعي القائم على الحضور والعدد والقوّة الديموغرافيّة. وأكّد أنّ معيار الإيمان الحقيقي هو اللقاء الشخصي بالمسيح والثبات فيه، وأن تبقى الكنيسة واحدة ومتّحدة بالمحبّة مهما كان عدد أبنائها أو ظروفهم الجيوسياسيّة.
وشدّد على ضرورة أن تكون الكنيسة مستعدّة للغفران والوحدة والتضامن في الحياة اليوميّة، وأن تخرج من ذاتها نحو العالم المشرقي بكلّ مكوّناته، لأنّ كثيرين فيه فقراء إلى الحبّ والحرّية والعدالة، ومأسورون بأنظمة وأيديولوجيّات، وينتظرون من يشهد ليسوع المسيح وإنجيله.
وختم المطران سويف عظته بالتأكيد أنّ مار منصور يدعو الكنيسة اليوم إلى أن تكون قويّة، لا بالعضلات أو بمنطق السلطة، بل بالمحبّة والغفران والانحناء أمام الضعفاء لخدمتهم، وبالوحدة والتضامن.
ورفع الشكر إلى الله على زيارة البابا إلى فرنسا، وعلى الكنيسة التي تواصل جهادها في مشروع الإيمان، فتشهد ليسوع وتلتقي وجهه المجروح في كل إنسان، واثقة بأنّ جرح الصليب تحوّل في اليوم الثالث إلى نور قيامة وحياة جديدة، ليس فقط في قلوب المؤمنين، بل في الخليقة كلّها التي تجدّدت بالمسيح وقيامته.