المطران سويف في عيد ارتفاع الصليب: ليكن الصليب محفورًا في قلوبنا ومواقفنا

ترأّس رئيس أساقفة أبرشيّة طرابلس المارونيّة المطران يوسف سويف، يوم الأحد 13 أيلول 2026، قدّاسًا إلهيًّا في مزيارة بمناسبة عيد ارتفاع الصليب المقدّس، عقب مسيرة انطلقت من الصليب في الرهوة باتجاه كنيسة السيّدة في السواقي، بمشاركة الكهنة والراهبات وجمع من المؤمنين.
واستهلّ المطران سويف عظته بقول القديس بولس: «إنّ كلمة الصليب عند الهالكين حماقة، وأمّا عندنا نحن المخلَّصين فهي قوّة الله»، داعيًا إلى شكر الرب على نعمة الصليب التي تشكّل أساس الحياة المسيحية وركيزة كيان الكنيسة.
وأوضح أن الصليب، الذي كان في الماضي رمزًا للعار والذل والهوان والموت، أصبح بقوة المسيح علامة للخلاص والحياة الجديدة، مؤكدًا أنه «لا كنيسة من دون صليب، ولا حياة مع المسيح من دون صليب، ولا اختبار إيمان حقيقي وصادق وعميق من دون صليب يسوع المسيح».
واستشهد بكلام المسيح في الإنجيل: «إن حبّة الحنطة إن لم تقع في الأرض وتمت تبقى مفردة، وإن ماتت أتت بثمر كثير»، لافتًا إلى أن الصليب أصبح قوّة لأن يسوع ارتفع عليه، وجسر عبور من هذا العالم الزائل إلى الحياة الأبدية ولقاء وجه الله الآب. فالمسيح هو فصح الإنسان وعبوره من عالم الموت إلى الحياة الجديدة.
وأشار إلى أن اختبار الصليب يرافق المؤمن في تفاصيل حياته اليومية، إذ يبدأ المسيحي نهاره برسم إشارة الصليب ويختمه بها، معلنًا أن يومه وليله وكل أوقاته تستمدّ معناها من صليب المسيح. وإشارة الصليب التي يرسمها المؤمن على جسده هي علامة خلاص وحماية من الشر والتجارب، وقوّة تساعده، إذا سقط، على النهوض والتجدّد والخروج من اختبار الإنسان القديم.
وتوقّف المطران سويف عند حضور الصليب في الأسرار المقدّسة، موضحًا أن الإنسان يولد ولادة ثانية في المعمودية من الماء والروح القدس، فيشترك في موت المسيح وقيامته ويُختم بصليبه. كما يرافق الصليب سرّ الميرون، فيما تتمحور الإفخارستيا حول تجديد ذبيحة الصليب والاحتفال بسرّ الفصح.
وأضاف أن الكاهن، خلال القداس، يدعو كل من اعتمد بالمسيح إلى الاشتراك في موته وقيامته، وهو ما تعبّر عنه الكنيسة بعد كلام التقديس بقولها: «نذكر موتك يا رب، ونعترف بقيامتك، وننتظر مجيئك الثاني». ورأى أن عيد ارتفاع الصليب يسلّط الضوء بصورة خاصة على هذا الاعتراف الثالث، إذ إن المسيح، بعد موته وقيامته وصعوده إلى السماء وجلوسه عن يمين الآب، سيأتي بمجد عظيم ليدين الأحياء والأموات.
ودعا المطران سويف إلى ألّا يبقى الصليب مرتفعًا على قمم الجبال فحسب، بل أن يكون محفورًا في القلوب والعقول والإرادات والمواقف والتصرّفات، لكي يصبح المؤمنون شهودًا حقيقيين لموت المسيح وقيامته.
كما أشار إلى حضور الصليب في مختلف مراحل حياة الإنسان المسيحي، ففي سرّ الزواج يرسم الكاهن علامة الصليب فوق يدي العروسين الموضوعتين على الإنجيل، تثبيتًا لعهد الحب بينهما. وفي سرّ التوبة، يرسم الكاهن الصليب على المؤمن التائب أثناء منحه الحلّة، فيما يرافق الصليب الإنسان أيضًا في سرّ مسحة المرضى وعند مغادرته هذه الحياة، إلى جانب القربان المقدّس الذي يشكّل زادًا له في سفره نحو الأبدية.
ودعا إلى تجديد الممارسات الروحية الجميلة داخل العائلات، ولا سيما الصلاة ورسم إشارة الصليب قبل تناول الطعام، سواء في المنزل أو خارجه، مشددًا على عدم السماح للفكر الدنيوي بأن يُبعد المؤمنين عن رموزهم وممارساتهم الإيمانية. كما ذكّر بصورة الأم التي ترسم علامة الصليب على أبنائها قبل سفرهم أو مغادرتهم البيت، بإيمان ومحبة، طالبةً أن يرافقهم الصليب ويحميهم في مسيرتهم.
وشدّد المطران سويف على أن الإيمان بالصليب لا يقتصر على حمله أو رسم إشارته، بل يبلغ معناه العميق في عيش المحبة والمغفرة. وقال إن الإنسان الذي يؤمن بالصليب هو مستعد لأن يعلن، كما أعلن يسوع أمام ظالميه وصالبيه: «يا أبتاه، اغفر لهم لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون».
وأكد أن اختبار الإيمان المسيحي يبقى ناقصًا إذا لم يقُد الإنسان إلى مسامحة الآخر، لأن ذروة صليب المسيح وقمّته هما الغفران والحب.
وفي ختام عظته، أعرب المطران سويف عن فرحه بمشاركته للمرة الأولى في الاحتفال بعيد ارتفاع الصليب في هذا المكان المقدّس، داعيًا المؤمنين إلى الصلاة بعضهم من أجل بعض، كي يثبتوا في صليب يسوع ويواصلوا الشهادة له. وختم مؤكدًا أن الصليب، الذي كان يُعدّ حماقة، أصبح «قوّة الله المحوِّلة التي تجعلنا نولد من جديد، وتمنح قلوبنا وحياتنا ووطننا السلام الحقيقي».