المطران تابت في ذكرى شهداء *القوات* من مونتريال: السلام هو السلاح الحقيقي لاستعادة السيادة وبناء دولة الحداثة والشفافية

ترأس راعي أبرشية مار مارون في كندا المطران بول مروان تابت الذبيحة الإلهية في كاتدرائية مار مارون – مونتريال، في الذكرى الرابعة والأربعين لاستشهاد الرئيس بشير الجميل وشهداء “القوات اللبنانية”. عاونه النائب العام لابرشية صيدا المارونية الخوراسقف مارون كيوان، النائب العام في الرهبانية اللبنانية المارونية والرئيس الفخري لجامعة الروح القدس – الكسليك الأب البروفسور جورج حبيقة والأب جان صفير والأب مارك رحمة.
وحضر المناسبة كل من، القنصل العام للبنان في مونتريال شربل نمر وزوجته دوللي، الشيخ عادل حاطوم ممثلا مشيخة عقل طائفة الموحدين الدروز في مونتريال، النائبة عن دائرة شوميدي سونا لاخويان، مستشارة بلدية لافال عن دائرة دو مارتان وممثلة رئيس البلدية ستيفان بوييه ألين ديب، مستشار بلدية سان لوران ونائب رئيس اللجنة التنفيذية ورئيس جمعية النقل في مونتريال عارف سالم، مستشار بلدية لافال عن دائرة سان دوروتيه راي خليل، نائب المنسق العام لمقاطعة كندا القواتية أنطوان ابي نادر، رئيس مكتب “القوات اللبنانية” في مونتريال رشدي رعد، رئيسة مكتب حزب “الكتائب اللبنانية” جاكلين طنوس، رئيس مكتب حزب “الوطنيين الأحرار” في مونتريال وكيبيك جوزف خيرالله وعدد من ممثلي المؤسسات والنوادي الاجتماعية.
تابت
بعد الانجيل قال المطران تابت في عظته: “نجتمع اليوم حول مذبح كاتدرائيتنا، حاملين في صلاتنا الشهيد الشيخ بشير الجميل وشهداء القوات اللبنانية، وكل الذين سقطوا دفاعا عما آمنوا به. نصلي من أجل راحة نفوسهم، سائلين رب العلى أن يحتضنهم برحمته، وأن يمنح وطننا لبنان السلام الذي طالما اشتاقت إليه قلوبنا وقلوب كل اللبنانيين”.
واشار الى أن “هذه الذكرى أصبحت موعدا سنويا نلتقي فيه في مونتريال، نستعيد أسماء من رحلوا ووجوههم وتضحياتهم. غير أن الإيمان المسيحي لا يجعل من الذكرى غاية في ذاتها. فالذكرى، في ضوء المسيح القائم من الموت، تتحول إلى صلاة وتأمل في معنى الحياة والمسؤولية”.
اضاف: “حين نتذكر الذين سبقونا، يطرح أمام كل واحد منا سؤال جوهري: ماذا نفعل بما وهبنا الله من عمر ووقت وطاقات ولأي شيء نكرس حياتنا؟ وهل نستطيع أن نحول أفراحنا إلى مواساة للآخرين وآلامنا إلى رجاء وانقساماتنا إلى مصالحة ومخاوفنا إلى إيمان؟”، مشددا على أن “الشهادة في معناها الأعمق، هي شهادة للحق وللكرامة الإنسانية ولما يؤمن به الإنسان. والذين نذكرهم اليوم، حملوا قناعاتهم حتى النهاية ودفعوا ثمنا غاليا لما آمنوا به. لذلك، فإن الوفاء الحقيقي لهم لا يقتصر على استعادة أسمائهم أو رفع صورهم، بل يقتضي أن نسأل أنفسنا: هل نحن مستعدون لتحمل مسؤولية الوطن الذي حلموا به؟ وهل نستطيع، بعد كل ما خسره لبنان، أن نبني دولة أقوى بالعدالة وأغنى بالمحبة وأكثر ابتعادا عن العنف والثأر؟”.
وتابع: “من هنا تكتسب صلاتنا اليوم معناها الأعمق، لا سيما أننا نحتفل أيضا بعيد ارتفاع الصليب المقدس. فالصليب يفتح أمامنا طريقا لفهم الشهادة والتضحية، لا بمنطق تمجيد الموت، بل بمنطق بذل الذات من أجل الحياة. المسيح على الصليب لا يأخذ حياة أحد، بل يبذل حياته من أجل الآخرين. ولذلك يبقى الصليب المعيار المسيحي الذي نقيس به كل حديث عن التضحية والشهادة: هل تقود التضحية إلى الحياة، أم إلى مزيد من الموت؟ هل تفتح الطريق أمام المصالحة، أم تعمق الجراح؟ وهل تجعل من ذاكرتنا مسؤولية تجاه المستقبل؟ لهذا، فإن تذكر شهدائنا يقودنا اليوم إلى ثلاث دعوات مترابطة، فمن الذكرى إلى الصلاة، نستحضر الذين رحلوا لا لكي نبقى أسرى الماضي، بل لكي نضعهم أمام رحمة الله، ونصلي من أجلهم ومن أجل عائلاتهم ومن أجل لبنان. ومن التضحية إلى معنى الصليب، نتعلم من المسيح أن التضحية المسيحية ليست تمجيدا للعنف أو للموت، بل بذل للذات في سبيل الحق والمحبة وخدمة الإنسان. ومن الموت إلى الحياة، فإنجيل يوحنا لا يتوقف عند الصليب، بل يربطه بالحياة الأبدية”.
ورأى أن “أفضل وفاء لشهدائنا هو أن نحفظ ذاكرتهم من الحقد وأن نحترم تضحياتهم من دون أن نمجد الموت، وأن نحمل من الماضي عبرته من دون أن نرهن له مستقبلنا”، وقال: “لقد رحلوا، لكن لبنان بقي أمانة في أعناقنا”.
واكد انه “من مسؤوليتنا أن نجعل من حياتنا عطية للآخرين في خدمة الإنسان والدفاع عن كرامته وترسيخ دولة يسود فيها الحق والقانون وحماية لبنان من أن يعود ساحة للصراع والانقسام. ففي عيد ارتفاع الصليب، نتعلم أن طريق القيامة يمر بالصليب، وأن الخلاص قد يمر أحيانا عبر الألم والتضحية، لكن الصليب لا ينتهي بالقبر، بل ينفتح على القيامة. وكذلك ينبغي لذاكرتنا أن تكون طريقا إلى المصالحة، لا سببا لاستمرار الجراح، وجسرا نحو السلام، لا جدارا يفصل اللبنانيين بعضهم عن بعض. لذلك، ونحن نرفع صلاتنا اليوم من أجل شهداء القوات اللبنانية، نصلي من أجل كل شهيد، ومن أجل عائلات الشهداء، ومن أجل لبنان وشعبه، ومن أجل كل إنسان لا يزال يحمل في قلبه جرحا من جراح الحرب”.
وشدد على أن “المرحلة التي يمر بها لبنان تفرض خيارا لا يحتمل التأجيل، وهو المضي قدما وبجرأة في مسار المفاوضات مع إسرائيل، وصولا إلى سلام عادل ودائم. هذا السلام هو المدخل الطبيعي لانسحاب إسرائيل من الأرضي التي تحتلها، وعودة ابن الجنوب إلى قريته وبيته، وإعادة الأسرى والمفقودين إلى عائلاتهم. لا إعمار للقرى المدمرة، ولا نهوض للاقتصاد المنهار، ولا أمن ولا استقرار، إلا بإنهاء حالة الحرب واستعادة الدولة قرار الحرب والسلم وحصر السلاح بيد القوى الأمنية الشرعية”.
وختم: “كفى لبنان حروبا عبثية منذ العام 1969. كفى الجنوب تدميرا وتهجيرا وتشريدا. فهذه الحروب دمرت الجنوب وحبست لبنان رهينة لمصالح الآخرين. الدولة القوية وحدها تفاوض وتحمي وتحرر وتبني. والسلام هو السلاح الحقيقي لاستعادة السيادة وبناء دولة الحداثة والشفافية. لنرفع أعيننا دائما إلى المسيح القائم من الموت، لأن دعوتنا النهائية ليست إلى البقاء في أسر الذكرى، بل إلى اختيار الحياة، ليست إلى توريث الجراح، بل إلى مداواتها، وليست إلى إعادة إنتاج الماضي، بل إلى تحويله إلى حكمة ومسؤولية ورجاء. وهكذا يصح قول الإنجيلي يوحنا: “لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية”.
رعد
ثم ألقى رعد كلمة، شدد فيها على “اننا أكثر من قوات، نحن شعب وإرادة، نحن اشترينا الحياة ودفعنا ثمنها شهادة”، وقال: “إن الوفاء لشهدائنا ليس عبر صورة أو أكليل من غار أو كلمة في قداس. الوفاء يعني أن نعيش بطريقة تليق بتضحيات شهدائنا”، وشدد على أن “تاريخنا أمانة حية ومسؤولية للمستقبل”.
ورأى أن خطاب رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع الأخير، “ما كان مجرد خطاب في ذكرى الشهداء، بل كان رسما واضحا لخريطة الطريق للمرحلة المقبلة، تحت عنوان كبير وواضح وهو فجر السيادة. هذا الفجر ليس مجرد شعار هو قرار ومسؤولية وطريق، طريق لبنان الدولة، لبنان الحر، لبنان السيد على أرضه وقراره”.
وختم: “لن نقبل بنصف سيادة ولا بنصف دولة، ولن نقبل بأن يكون لبنان سيدا في مكان ومسلوب القرار في مكان آخر. نريد أن يكون لبنان كامل السيادة، لبنان الدولة القادرة، لبنان الحر، لبنان الذي استشهد رفاقنا من أجله”.