عشية الزيارة الأولى للبابا لاون الرابع عشر إلى المكتبة الرسولية الفاتيكانية، يتأمل رئيس الأساقفة جوفاني تشيزاري باغاتزي في الرابط بين خدمة البابا وخدمة الثقافة، وفي الحوار مع الفن المعاصر، وقيمة القراءة باعتبارها “ترياقاً للاستقطابات”.
عشية الزيارة الأولى التي يقوم بها البابا لاوُن الرابع عشر إلى المكتبة الرسولية الفاتيكانية، يتوقف رئيس الأساقفة جيوفاني تشيزاري باغاتزي، أمين سرّ وأمين مكتبة الكنيسة الرومانية المقدسة، عند المعنى العميق لهذه الزيارة، التي ستتم يوم الاثنين ١٤ أيلول سبتمبر ٢٠٢٦ لافتتاح معرض “AQVA”، الفصل الأول من سلسلة “الكارثة والدهشة”. ويؤكد أن زيارة البابا ليست مجرد مناسبة ثقافية، بل تعكس الصلة الوثيقة بين رسالة خليفة بطرس وخدمة الثقافة والمعرفة والذاكرة.
ويقول المطران باغاتزي: “إنَّ الرسول يحتاج إلى مكتبة لكي يتمّم رسالته”. فالمكتبة الرسولية هي، بحسب دلالة اسمها، “مكتبة الرسول”، ومن ثمّ فإن دخول البابا إلى مكتبته هو تأكيد أن المعرفة والبحث والذاكرة هي أدوات أساسية في خدمة رسالته العالمية. وتحمل الزيارة أيضًا بعدًا تاريخيًا خاصًا، إذ إن البابا لاوُن الرابع عشر يحمل اسم البابا لاوُن الثالث عشر، الذي أولى اهتمامًا كبيرًا بالمكتبة والأرشيف الرسوليين، ووسّع إمكان وصول الباحثين إليهما.
ويأتي افتتاح معرض “AQVA” ضمن مشروع “الكارثة والدهشة”، الذي أُنجز بدعم من مؤسسة روما و”إنتيسا سان باولو”، ويهدف إلى التأمل في العناصر الطبيعية كمرآة لمخاوف الإنسان وآماله. ويشكّل الماء موضوع الفصل الأول، إذ ينتقل في مسار المعرض من صورة القوة المهدِّدة إلى إعادة اكتشافه من جديد كمورد حيوي وعنصر قادر على فتح طريق للمصالحة. وتلتقي في هذا المعرض أعمال ثلاثة مبدعين معاصرين، هم الفنان JR ، والطابع بيل موران، والطاهي فولفيو بييرانجِليني، مع تراث المكتبة الرسولية الفاتيكانية وفضائها التاريخي، في حوار بين الذاكرة الثقافية والإبداع المعاصر.
ويرى المطران باغاتزي أن اختيار عنوان “الكارثة والدهشة” يحمل في حد ذاته رسالة تتناغم مع إصرار البابا لاوُن الرابع عشر على البحث عن “سلام مُجرَّد من السلاح ويُجرِّد من السلاح”. فالمطلوب هو القدرة على اكتشاف إمكانية الدهشة والجمال حتى في ما يبدو للإنسان مصدرًا للخطر أو عدوًا له. ويقول إن رؤية شيء جميل حتى في ما قد يبدو “عدوًّا” تشكّل تحديًا كبيرًا، لكنه “تحدٍّ إنجيلي” بامتياز.
وفي حديثه عن الجمع بين الإرث التاريخي للكنيسة والفن المعاصر، يشدد رئيس الأساقفة على أن اهتمام الكنيسة بالفن في زمنها لم يكن يومًا أمرًا طارئًا. فغالبًا ما يُستشهد بخطاب البابا بولس السادس الشهير للفنانين عام ١٩٦٤، لكن العلاقة بين الكنيسة والفن المعاصر أقدم من ذلك بكثير. ويذكّر بأن الفنانين الذين دعاهم البابا سيكستوس الرابع ويوليوس الثاني إلى رسم كنيسة سيستينا كانوا، بالنسبة إلى عصرهم، فنانين معاصرين، وإن كانوا اليوم جزءًا من الإرث الكلاسيكي. وكذلك كان برنيني، عندما أوكل إليه تصميم ساحة القديس بطرس، فنانًا معاصرًا لم يكن عمله يحظى بإعجاب الجميع، حتى إن البابا اضطر إلى التدخل شخصيًا للدفاع عنه. ومن هنا، فإن اهتمام الكنيسة بالفن المعاصر يعني أيضًا اهتمامها بثقافة الحاضر وديناميكياته وأسئلته. فالإيمان بأن الله يستطيع أن يتكلم من خلال ثقافة اليوم، كما تكلم في ثقافات الماضي، هو جزء من مهمة الكنيسة. ويصف باغاتزي الانفتاح على الفن المعاصر بأنه “فعل من أفعال الاعتدال الروحي”، لأنه يتطلب الإصغاء إلى زمننا وعدم الاكتفاء بما أصبح مألوفًا ومصنفًا ضمن التراث.
ويتوقف المطران باغاتزي عند أهمية القراءة، خصوصًا في زمن وصف فيه البابا لاوُن الرابع عشر الكتاب بأنه ترياق للانغلاق الذهني وللاختصارات الأيديولوجية. فالكتاب، في رأيه، لا يمنح القارئ محتوى معرفيًا فحسب، بل إن فعل القراءة نفسه يحمل قيمة تربوية وروحية. فالقراءة تعني أولًا التوقف. إنها تقطع النشاط المعتاد والإيقاع السريع الذي يطبع الحياة اليومية، وتخلق مساحة يستطيع الإنسان فيها أن يرى بطريقة مختلفة. ويقول باغاتزي إن من لا يتوقف أبدًا لا يستطيع أن يمتلك “رؤى”، لأن رؤية الأشياء التي لا تُرى تحتاج إلى الخروج مؤقتًا من الإيقاع المعتاد. ويستعيد في هذا السياق فكرة سبق للبابا لاوُن أن تحدث عنها عندما كان رئيسًا عامًا للرهبنة الأوغسطينية، وهي القدرة على امتلاك الرؤى، أي القدرة على رؤية ما لا يظهر للعين مباشرة. ومن هذا المنظور، تصبح القراءة أشبه بـ “سبت للعقل وأحد للقلب”: إنها توقف لا يبعد الإنسان عن الواقع، بل يساعده على رؤيته بعمق أكبر. ويشير باغاتزي أيضًا إلى العلاقة اللغوية بين فعل “القراءة” وجذر يعني “الربط والجمع”. فالقراءة تتطلب جمع الحروف والمقاطع والكلمات والجمل، وتعوّد الإنسان على إبقاء العناصر المختلفة معًا بدل فصلها ووضعها في معسكرات متقابلة. ومن الجذر نفسه تتفرع كلمات مرتبطة بالاختيار والتفضيل والحب. لذلك، فإن ممارسة القراءة بصورة منتظمة يمكنها أن تصبح، في رأيه، ترياقًا بسيطًا لكن عميقًا ضد كل أشكال الاستقطاب.
وفي زمن تتكاثر فيه الأحكام السريعة والانقسامات، تساعد القراءة الإنسان على الدخول في عالم الآخر، والنظر إلى الواقع من زوايا مختلفة. فهي لا تفرض بالضرورة اتفاقًا في الآراء، لكنها تعلّم القارئ أن يجمع بين عناصر متعددة وأن يحتمل التعقيد بدل اللجوء إلى التبسيط. ومن هنا تبرز قيمة الثقافة في تكوين حكم حر ومسؤول. فالإنسان الذي يقرأ لا يكتفي بتلقي المعلومات، بل يتعلم الإصغاء والمقارنة والتمييز، ويكتسب القدرة على تأجيل الحكم وعلى اكتشاف ما يتجاوز الانطباع الأول. ولذلك تصبح المكتبة، بما تختزنه من كتب ومخطوطات وذاكرة بشرية، فضاءً لمقاومة النسيان والتسرع والانغلاق.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي والمعلومات الفورية، لا ينظر المطران باغاتزي إلى التكنولوجيا كعدو للمعرفة. ويستعيد تجربة تاريخية شهدتها المكتبة نفسها، وهي ثورة الطباعة والانتقال من الكتب المخطوطة إلى الكتب المطبوعة. فقد أثارت تلك الثورة مخاوف كبيرة لدى البعض، حتى ظنوا أنها ستؤدي إلى نهاية الثقافة. لكن النتيجة كانت مختلفة: أتاحت الطباعة لعدد أكبر من الناس الوصول إلى كنوز المعرفة الإنسانية. كذلك يمكن للذكاء الاصطناعي أن يوسّع إمكان الوصول إلى المعرفة. غير أن المشكلة، بحسب المطران باغاتزي، ليست في الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل في كيفية استخدامه، ولا سيما إذا تحول إلى وسيلة لإلغاء الجهد والانتظار. ويستعيد في هذا الإطار إعلانًا تجاريًا قديمًا من أواخر ستينيات القرن الماضي وبداية السبعينيات، كان يروّج لبطاقات الائتمان بشعار يقوم على فكرة “إزالة الانتظار عن الرغبات”. ويرى أن هذه الفكرة تساعد على فهم أحد مخاطر الذكاء الاصطناعي: فإذا أزيل الانتظار تمامًا عن رغبات الإنسان، فقد تُنتزع منها أيضًا الطاقة التي يمنحها إياها الانتظار. فالمشكلة تبدأ عندما تتحول التكنولوجيا إلى “اختصار” دائم، يجعل الإنسان يريد النتيجة فورًا، من دون المرور بمسار البحث والتجربة والتأمل. أما الوقت الذي يحتاج إليه الإنسان كي يتعلم ويقرأ ويفهم ويبحث، فلا ينبغي اعتباره عائقًا أمام المعرفة، بل جزءًا من عملية تكوينها. ومن هنا تبرز أهمية المكتبة في عصر السرعة: إنها تذكّر بأن المعرفة ليست مجرد معلومة يمكن الحصول عليها في لحظة، بل مسيرة تحتاج إلى وقت وصبر وذاكرة وبحث عن الحقيقة.
ويشير المطران باغاتزي في ختام حديثه إلى رسالة البابا لاوُن الرابع عشر “Magnifica humanitas”، التي تتيح، في رأيه، مقاربة ظاهرة الذكاء الاصطناعي المعقدة بهدوء وصبر، بدل الاستسلام للخوف أو الانبهار. إنها دعوة إلى التوقف قليلًا، وإلى عدم تحويل كل جديد إلى إجابة فورية، لكي يستعيد الإنسان القدرة على الانتظار وعلى الرؤية وعلى اكتشاف ما لا يظهر في النظرة الأولى. وهكذا، تأتي زيارة البابا لاوُن الرابع عشر إلى المكتبة الرسولية الفاتيكانية لتؤكد أن الثقافة ليست هامشًا في رسالة الكنيسة، وأن حفظ الذاكرة لا يعني الانغلاق على الماضي، بل فتح الطريق لفهم الحاضر وصياغة المستقبل. فالمكتبة، في رؤية المطران باغاتزي، ليست مجرد مكان لحفظ الكتب، بل فضاء للبحث والحوار والدهشة، ومجال يتعلم فيه الإنسان أن يقرأ العالم، وأن يجمع ما تفرّق، وأن يتوقف بما يكفي لكي يرى.
المطران باغاتزي: زيارة البابا تؤكد رسالة المكتبة الرسولية الفاتيكانية






