المطران إياد الطوال يوجه رسالة راعوية حول عمق معنى الصوم المسيحي

وجّه سيادة المطران إياد الطوال، النائب البطريركي للاتين في الأردن، رسالة راعوية بمناسبة زمن الصوم المبارك، دعا فيها المؤمنين إلى التعمّق في البعد الروحي الحقيقي للصوم المسيحي، بعيدًا عن الممارسات الشكلية أو الاكتفاء بالامتناع الغذائي.
وأكّد أنّ الصوم هو طريق إلى الحرية الداخلية وعودة إلى الله بدون أقنعة، يُعيد ترتيب حياة الإنسان على ضوء التوبة والصلاة والصدقة، في زمن تتكاثر فيه أشكال التشتّت والعبودية المعاصرة. ولفت إلى أنّ الصوم ليس مجرّد ممارسة خارجية، بل مسيرة تغيير داخلي تمسّ القلب والإرادة، وتدعو المؤمن إلى التمييز الروحي ومراجعة أولوياته، ليجدد علاقته بالله وبالآخرين على أساس الرحمة والمحبة والحق.
وفي ما يلي النص الكامل للرسالة:
أيها الأحبة في المسيح يسوع،
نبدأ زمن الصوم المبارك ونحن نحمل في قلوبنا شوقًا عميقًا للقاء الله وتجديد حياتنا الروحية. وفي هذا الزمن المقدّس، تدعونا الكنيسة لا إلى ممارسة طقوس شكلية، أو ممارسات تقليدية غذائية، بل إلى خوض خبرة روحية وشخصية تكشف حقيقة الإنسان أمام الله، وتعيده إلى ذاته وإخوته وإلى حضرة الآب. فالكتاب المقدّس يوجهنا بسؤال جوهري وصريح: “أهذا صوم تسمونه صومًا؟” (أشعياء 58: 5)، وكأن الرب يقول لنا: قد نتمّم كل مظاهر الصوم، دون أن نعيش الصوم نفسه.
الصوم هو فعل إنساني واعٍ قبل أن يكون امتناعًا عن طعام أو تجويع
في الرؤية الكتابية، الإنسان هو كائن جائع، وجوعه الجسدي ليس سوى رمز لجوع أكبر نحو الله. لذلك يؤكد الكتاب: “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان” (تثنية 8: 3، متى 4: 4). فالخبز يشبع الجسد، أما الله فيشبع الكيان كله. من هنا، لا يتعامل الكتاب المقدس مع الصوم كقائمة محظورات، بل كعمل يمسّ جوهر الإنسان، ويلمس روحه ويكشف ما إذا كان يحيا بالخبز.. أم بروح الله.
منطق الصوم هو تحرير من التعلّق.. لا تغيير الطعام
ليست القضية في كمية الطعام أو نوعية الطعام التي نتركها، بل في مقدار التعلّق الذي يتركنا ونتحرّر منه. فسؤال الإيمان الحقيقي هو: هل أصوم عن الطعام وأتوقف عنده أم عمّا يستعبد قلبي؟ وقد عبّر الآباء بوضوح: القديس أغسطينوس: “ليست المشكلة فيما يدخل فمك، بل فيما يملك قلبك”. والقديس يوحنا ذهبي الفم: “الصوم الذي لا يغيّر السلوك هو صوم الشياطين”. كل واحد منا يعرف ضعفه الداخلي: قد يكون الطعام، أو الشهوة، أو التسلّط، أو الاستهلاك، أو الإدمان على الشاشات… لذلك، الصوم الحقيقي ليس واحدًا للجميع، بل هو جهاد شخصي ضد ما يستعبدني أنا تحديدًا.
الصوم والتمييز الروحي
يرافق الصوم دائمًا فعل التمييز الروحي، أي القدرة على رؤية الحقيقة كما هي. فالإنسان الذي لا يختبر الامتناع الإرادي يفقد القدرة على التمييز بين الحاجة والرغبة، بين الضروري والثانوي، وبين الحرية والعادة. ويذكّرنا يسوع: “حيث يكون كنزك، هناك يكون قلبك” (متى 6: 21). ويكشف لنا الصوم كنز حياتنا: هل هو الله… أم اللذة… أم الاستهلاك… أم صورة الذات؟
التوبة قرار يعيد ترتيب الحياة
التوبة المسيحية ليست شعورًا عاطفيًا عابرًا، بل تحوّل داخلي. ولهذا يقول القديس باسيليوس: “التوبة بلا صوم عديمة القوة، والصوم بلا صدقة عديم الجدوى”. التوبة تمتلك ثلاث علاقات مترابطة: مع الذات، عبر ضبط الرغبات والحد من الأنانية (الصوم). مع الله، عبر الصلاة وإعلان الحقيقة أمام وجهه (الصلاة). ومع الآخر، عبر الصدقة، البرهان العملي على المحبة (الصدقة).
ربما أصبح الصوم اليوم أكثر ضرورة من أي وقت مضى. فالإنسان المعاصر يعيش أشكالاً جديدة من العبودية: عبودية الشاشة، السرعة، الإنتاجية المفرطة، المقارنة المستمرة، والاستهلاك الذي لا ينتهي. ليس الإنسان اليوم أكثر خطيّة من إنسان الماضي، لكنه أكثر تشتتًا وتعلّقًا. ولهذا يصبح الصوم طريقًا لاستعادة الوحدة الداخلية. ويقول القديس إسحق السرياني: “من لم يختبر الصمت الداخلي، لم يبدأ بعد بالتمييز بين الله والهواء”. في عالم صاخب، يحتاج القلب إلى الصوم لكي يسمع صوت الله من جديد.
الصوم اكتشاف أو استرداد الحرية
الصوم يكشف لنا حقيقة غالبًا ما نهرب منها؛ أنا لست سيّد نفسي كما أظن. ويسمّي آباء الكنيسة هذا الإدراك: بداية الخلاص. فالصوم المسيحي لا يرفض العالم، بل يساعد على رؤيته بوضوح. لا يرفض اللذة، بل يحرّرنا من استعبادها. إنّه ببساطة عودةٌ إلى الله بلا أقنعة.
فأيها الأحبة، أدعوكم إلى عيش هذا الصوم كمسيرة تحرير للإرادة، وتنقية للمحبة، وإعادة توجيه للحياة نحو وجه الله. ولنطلب معًا أن يعيد الرب تشكيل علاقاتنا الإنسانية على أساس الرحمة والمحبّة والحق. صومًا مباركًا أتمناه لكم جميعًا، وليرافقكم سلام المسيح الذي يفوق كل إدراك.