عظة عيد مار مارون مع جمعية الكشاف الماروني-كاتدرائية مار جرجس-بيروت-22 شباط 2026
” جَمَّلَ نَفسَهُ بالقَداسَةِ والنَقاوة والعَمَلِ الصالِح ”
من فرض أبينا مار مارون-مخطوط طاميش 1694
معالي الوزيرة لورا الخازن لحود ممثلة فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية المُحترم،
أصحابُ المعالي والسعادة الكرام،
رؤساءُ وأعضاء الرابطة المارونية والمجلس الماروني العام الأعزاء،
الآباءُ الأجلاّء،
رئيسُ وعُمدَة وأعضاء جمعية الكشاف الماروني،
ألقادة الكشفيون،
أيها الأحِبّاء،
نلتقي في هذا الأحد الثاني من زمن الصوم المقدس، أحدِ آيَةِ شِفاءِ الأَبرَص، لنحتفِلَ معَ جمعية الكشاف الماروني في الذكرى الثانية والأربعين لِتَأسيسِهَا وفي عيد شَفيعها ألقديس مارون. وننتَهِزُ المُناسَبَة، ونحن نحتَفِلُ بِالذَبيحَةِ الإلَهِيَّة في هذِهِ الكاتدرائيَّة المباركة، لِتَوجيهِ تَحِيَّةٍ أَخَوِيَّة إلى سيادَةِ راعي الأَبرَشِيَّة ألمطران بولس عبد الساتر السامي الإحترام. نَحتَفِلُ معاً بِعيدِ القديس مارون شَفيع الجَمعيَة وشَفيع كنيستنا المارونية. ونَسأَلُ اللّهَ بشقاعته أن يُبارِكَنا جَميعاً، فَيَعودَ هذا العيد عَلَيكُم وعَلَينا بِالطُمَأنينَةِ والسَلام ووافرِ النِعَمِ والبَركات.
عيدُ مار مارون، يَفتَحُ أَمامنا البابَ والآفاقَ الواسِعَة لِلتَعَمُّقِ في روحانِيَّةٍ مَبنِيَّةٍ على صَخرَةِ الإيمانِ بيسوعَ المَسيح إبنِ اللّهِ الحَي. لَقَد عاشَ مار مارون روحانِيَّةَ الإنجيل والصَليب ماحِيَاً مَعبَدَ الأَصنام جَاعِلاً منهُ قُدساً لِلرَبّ، وجَمَّلَ نَفسَهُ بالقَداسَةِ والنَقاوَةِ والعَمَلِ الصالِح شافياً الأَمراضَ الجَسَدِيَّة والنفسيَّة والروحية. جَسَّدَ مَفهومَ حَبَّةَ الحِنطَة بِحَسَبِ قَولِ الرَبِّ يَسوع: ” مَن يُحِبُّ نَفسَهُ يَفقِدُها، ومَن يُبغِضُها في هذا العالَم، يحفَظُها لِحَياةٍ أَبَدِيَّة “.
1-صَعِدَ إلى جَبَلِ قورُش بَعيداً عَن كُلِّ نَوعٍ مِن أنواعِ العَيشِ الناعِم، فكانَ بِالقَلبِ والفِكرِ والفعل عائشاً بِالحُبِّ الإلَهيِّ وهائماً بِه. مُتَرَفِّعاً عَن أُمورِ الدُنيا، مُتَوَخِيَاً ما يُريدُهُ الرَبُّ يَسوع ومَجدُ الصَليب. زُرِعَ في هذا الشَرق وَردَةً بينَ الأَشواك يَفوحُ عِطرُها إرشاداً وتَأَمُّلاً بِكَلِمَةِ اللّه، لِيَرفَعَنا مَعَهُ إيماناً بِالذي ماتَ وقامَ لِيُعطِيَنا الحَياة.
2-نَحنُ مَدعوونَ، في تَذكارِ أَبينا القديس مارون، لأَن نَنظُرَ إلى واقِعِنَا اليَوم. نَحنُ في وَطَنٍ عَرَفَ المَوتَ وما يَزالُ يَعرِفُهُ، ألمَوتُ الجَسَدي والروحي والمَعنَوي. فينا مَن يَخافُ المَوتَ لأَنَّهُ مُتَزَعزِعُ الإيمان ومُتَمَسِّكٌ بِمجدِ هذا العالَم، مُتَجاهِلاً دربَ الصَليبِ والقِيَامَة، ومَسارَ حَبَّةِ الحِنطَة، غَيرَ عارِفٍ أَنَّ الحُبَّ أَقوى من المَوت. إنَّ تاريخَ بيتِ مارون هو تاريخُ الشَهادَةِ والشُهَداء لِلحِفاظِ على الإيمان. فَمَن تَزَعزَعَ إيمانُهُ خانَ تاريخَهُ ورَبَّهُ.
3-إنَّ هُوِّيَةَ الماروني تَعني التِزاماً حَياتِيّاً بِأَن يَكونَ أَيقونَةً رائعَة وشَهادَةً حَيَّة لِمار مارون. أن يَدخُلَ في مَنطِقِ اللّه، وبِتَعبيرٍ آخَر بِحَسَبِ رسالة مار بولُس إلى تِلميذِهِ تيموتاوس، لِيَكونَ رَجُلاً لِلّهِ كامِلاً ، مُتَّحِداً بِه، وَمُعَدّاً لِكُلِّ عَمَلٍ صالِح، ويَخيا بالتَقوى في المَسيحِ يسوع. ولا بُدَّ لهذا الإتِّصالِ باللّه عن طَريقِ الصوم والصلاة والصدقة من أَن يُحدِثَ تَغييراً في ذهنِيَّةِ المُؤمن فَيَعي عَظَمَةَ سِرِّ الإِيمان، وأَهَمِّيَةَ إستنارَةِ الضَمير، لِيَبتَعِدَ عن الخَطيئَة التي تُبعِدُنا عن اللّه، وتَجعَلُنا نَنغَلِق على ذواتِنَا وتَعاسَتِنَا مِثلَ الأَبرَصِ في عُزلَتِه. أَجَل إِنَّ بَرَصَ الخَطيئَة يُبعِدُنا عَنِ اللَه وعن الجماعَةِ الكَنَسِيّة، ويُشَوِّهُ مارونِيَّتِنَا. وكما انتظَرَ المَسيحُ الأَبرَصَ الآتي إِلَيه لِيَشفيهِ بِلَمسَةِ حَنانِه، يَنتَظِرُنا بِدَورِنَا لِنَقومَ بِفِعلِ تَوبَةٍ وإيمان لِيَشفِيَنا بملءِ حُبِّه. إنَّ الإنعِتاقَ مِن بَرَصِ الخَطيئَة يُعادِلُ إحياءَ الإنسان.
4-ليسَ من يَجهَل أَنَّ نَهجَ هذا النوعِ مِنَ النًسكِيّةِ في أيامِنَا، من تَقَشُّفٍ مُستَمِر، والقيام بإماتات وتَضحيات، وصَلاةٍ مُتَواصِلَة، وأفعالِ تَوبَة، قَد يَبدو ضَعيفاً أو في تَراجُع بِسَبَبِ رَخاءِ العَيشِ على أزَماتِه، وعَولَمَةِ الإستِهلاك، وغَلَبَةِ الأنانِيَّة ومَذاهِبِ المُتعَة. مُجتَمَعُنَا وكنيستُنَا بِحاجَةٍ إلى كَبحِ جَماحِ المُيولِ المُعوَجَّة، وَإدراكِ الفَضيلَة، وتَغليبِ العَقلِ على الهَوى، وتَطويعِ الإِرادَة، وبُلوغِ الحَرِّيةِ الصَحيحَة والمسؤولة، والتَفَلُّتِ من عُبودِيَّةِ الخَطيئَة، بِحَيثُ يُصبِحُ المُؤمِنُ الماروني طَوعَ يَدِ رَبِّه. لا يَستَرسِلُ لِلمَشاعِرِ الشَخصِيَّة، بَل يَستَسلِمُ لِعَمَلِ الروحِ القُدُس فيه، مُدرِكَاً بِأَنَّهُ بِحاجَةٍ إلى نِعمَةِ رَبِّه.
5-إنَّ مُجاراةَ العَصرِ لا تَحولُ دونَ التَحَلّي بالروحِ الإنجيلِيَّةِ الصَحيحَة، روحِ القَناعَة. فالإتِّكالُ على اللّه لا يقومُ على الأَموالِ والمُقتَنَيات غير المشروعة والأساليب المُلتَوِيَة لِجَرِّ المَغانِم طَمَعاً بثَروَة أو بمنصِب. إنَّ قيمَةَ الإنسان لَيسَ بما يَملِك مِن حُطامِ الدُنيا بَل بِما يَتَحَلّى مِن أَخلاقٍ حَميدَة ومَزايا كَريمَة وروحٍ سَمحاء. ومَن يَدينُ بالمَحَبَّةِ المَسيحِيَّة الصافِيَة لا يَتَعالى على أَخيه، ولا يَأكُلُ خُبزَهُ ومالَهُ، ولا يَستَبِدُّ القَوِيُّ بِالضَعيف، ولا يَستَغِلُّ بِالدَهاء البَسيط، ولا يَغتابُ بِالنَميمَةِ أَهلَ بَيتِه وخَصمِه.
6-رِسالَةُ الماروني اليَوم يَستَلهِمُهَا من الإيمانِ بِرِبِّه وقِيَمِ آبائهِ وأَجدادِه في عَيشِ الإنجيل، وحُبِّ الصَلاةِ اليَومِيَّة صِلَةً يِرَبِّه، والروحِ العائلِيَّة، وتقاليد العائلة المارونية في صلاة المسبحة الوردية اليومية المسائية وطلبة وزياح العذراء، والقَناعَة، والمَحَبَّة المَسيحِيَّة التي تَجمَع ولا تُفَرِق، وَالتَساوي بينَ الناس، والتَضامُنِ الإجتماعي، والتَجَذُرِ بِالأرض. إذا كانَ القَلَقُ اليَومَ يَغمُرُ نفوسَنا لِما تَجَرُّهُ الأَوضاع في وَطَنِنَا وسطَ هذا الشَرقِ المُلتَهِب، فهذا لا يَعني أَنَ الحِفاظَ على الهوية أَو الدِفاعَ عَن الأرض وحُقوقِ المَسيحيين يَتِمُّ بالإنقسامات والتَراشُقِ بالإتهامات. إنَّ هذا المَسار قادنا ويَقودُنا إلى جُنونٍ لا بَل إلى انتحارٍ جَماعي تَرذُلُه شَرائعُ السَماءِ والأَرض. أَينَ الروحُ المَسيحِيَّة، روحُ التَسامُح والغفران والمحَبَّة وتَنقِيَةِ الذاكِرَة؟ فَهَل نَكونُ هكذا أَبناءً لِمار مارون مُتَناسينَ ما أعطانا من شَهادَةٍ وقُدوَة؟ أينَ يَقَظَةُ الضَمير الروحي والوطني؟ هَل نُريدُ أَمَلاً ومُستَقبَلاً واعِداً لأَولادِنَا وشَبابنَا كَي يَقِفَ نَزيفُ الهِجرَة؟ فَهَل يُحافِظُ الماروني على هُوِّيَتِهِ وأَرضِهِ وَتُراثِه وتَقاليدِه؟ لا يُمكِنُنَا أن نَستَسلِمَ لِليَأسِ فنَحنُ أَبناءَ إيمانٍ ورِجاء. إنَّ مُغامَرَةَ النُهوضِ بالإنسان وبِالوَطَن تَقومُ على الإصغاءِ لِصَوتِ اللّه، والتحلّي بالحكمة، لِغَلَبَةِ الخَيرِ على الشَر وبناءِ حَضارَةِ المَحَبّة، والإلفَةَ والتَضامُن في مواجهة شَياطينِ التجارب.
7-أيّها الكَشافُ الملروني، يَومَ وضَعَ بادن باول أُسُسَ الحَياةِ الكَشفِيَّة، هَدَفَ إلى أن يَكونَ الكَشافُ خلوقاً:
-مُؤمِنَاً بِرَبِّه إيماناً سَليماً ومُلتَزِماً،
-مُخلِصاً لِعائلَتِه، مُواطِناً صالِحاً مُحِبّاً وأَميناً لِوَطَنِه،
-صادِقاً في قَولِهِ وَوَعدِه وعَهدِه، بَعيداً عن الإزدواجِيَّةِ والغِشّ،
-مُندَفِعاً في الخِدمَةِ، ومُساعَدَةِ الآخَرين، والعمل الصالح،
-مُؤَدَّباً في سلوكِه وتَعاطيه،
-وَدوداً في صَداقَتِهِ لِلجَميع،
-مُحِبّاً لِلطَبيعَة والمَخلوقاتِ وَمُحافِظاً عَلَيها منَ التَشويه،
-مُقابِلاً ألصُعوباتِ بِوَعيٍ ورَحابَةِ صَدر،
-نَظيفاً بالفكرِ والقَولِ والفعلِ والمَظهَر،
-شُجاعاً في المُبادَرات والأَعمالِ بِصَفاء،
-مُمَيَّزاً بِالإنفتاحِ، وبروحِ الجَماعَةِ، والسَعيِ إلى التَضامُن بَعيداً عن الفِئَوِيَّة،
-جاعِلاً مِن شَفيعِه مار مارون مِثالاً وَقُدوَة لِحَياتِه……
8-أَللَّهُمَّ نَسأَلُكَ، بِشَفاعَةِ أَبينا مار مارون، أن تُبارِكَ جَمعِيَّةَ الكَشافِ الماروني لِتَبقى أمينَةً على رِسالَتِهَا خَميرَةً في العَجين، صانِعَةَ سَلام وَوِفاق. أن تَشفِيَ مِنَّا بَرَصَ الشَرزَمة والإنقسامات، أنر عقول وضمائر المسؤولين على اختلاف مواقعهم، وأَن يَعيَ المَوارِنَة تاريخَهُم وأَصالَتَهُم أَينَما حَلّوا وكَيفَما تَصَرَّفوا. واحفَظ وَطَنَنا لُبنانَ مِنَ الأَخطارِ المُحدِقَة بِه وسطَ هذا الشَرقِ المُلتَهِب. إنَّكَ سَميعٌ مُجيب – آمين!
+ أنطوان – نبيل العنداري
راعي الجَمعِيَّة
المطران أنطوان نبيل العنداري يترأس القدّاس الإلهي بمناسبة الذكرى ال42 لتأسيس جمعيّة الكشاف الماروني






