الكرسي الرسولي يدعو إلى نزع السلاح ومكافحة الجوع وتوجيه الموارد لخدمة الإنسان والسلام

دعا الكرسي الرسولي المجتمع الدولي إلى تكثيف الجهود من أجل إحلال السلام، والحد من التسلح، ومكافحة الفقر والجوع، مؤكداً ضرورة وضع كرامة الإنسان واحتياجاته الأساسية في صلب السياسات الدولية. وشدد على أن السلام المستدام لا يتحقق بتوازن القوى والتهديد بالحرب، بل بالحوار والعدالة والتعاون الدولي، في وقت تتفاقم فيه النزاعات والأزمات الإنسانية وتتزايد المخاطر الناجمة عن سباق التسلح والتطور التكنولوجي.
جاءت هذه المواقف في خطابين ألقاهما يوم الأربعاء مراقب الكرسي الرسولي الدائم لدى الأمم المتحدة في نيويورك، رئيس الأساقفة كريستوف القسيس، أمام لجنتين تابعتين للجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، في نيويورك. وتناول الخطاب الأول نزع السلاح والأمن الدولي، فيما ركز الثاني على القضاء على الفقر، والتنمية الزراعية، والأمن الغذائي والتغذية.
في مداخلته أمام اللجنة الأولى المعنية بنزع السلاح والأمن الدولي، حذر الكرسي الرسولي من تدهور العلاقات الدولية، وتراجع الثقة والحوار بين الدول، وتزايد الضغوط على منظومة الحد من التسلح ونزع السلاح التي بُنيت على مدى عقود. وأعرب عن قلقه إزاء استمرار ارتفاع الإنفاق العسكري والاستثمارات الضخمة في تطوير القدرات العسكرية، معتبراً أن هذا المسار لا يوفر أساساً مستداماً للسلام، بل يحوّل الموارد بعيداً عن التنمية البشرية الشاملة، ويحمّل الفئات الأكثر هشاشة العبء الأكبر من النزاعات.
وأكد سيادته ضرورة مقاومة الاعتقاد بأن الحرب قدر لا مفر منه، أو أن إعادة التسلح شرط أساسي لحفظ السلام، مشيراً إلى أن تعزيز السلام يتطلب جهوداً إبداعية وبدائل حقيقية للحرب، لا الاكتفاء بمحاولة احتواء النزاعات والاستعداد لمواجهات جديدة. واستشهد بمواقف البابا لاون الرابع عشر، الذي شدد على أن السلام ليس مجرد توازن في القوة، بل هو عملية تُبنى يوماً بعد يوم من خلال الحوار والعدالة.
فيما يتعلق بالأسلحة النووية، عبّر الكرسي الرسولي عن قلقه البالغ إزاء تحديث الترسانات النووية وتوسيعها، وتصاعد الخطاب المتعلق باحتمال استخدامها، إلى جانب إدخال الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الناشئة في الأنظمة المرتبطة بها. وحذر من أن هذه التطورات قد تزيد مخاطر اتخاذ قرارات كارثية، خصوصاً عندما تؤدي التكنولوجيا إلى تسريع عملية اتخاذ القرار أو إضعاف دور التقدير البشري في مواجهة عواقب لا يمكن احتواؤها. ورأى سيادته أن الردع النووي، القائم على التهديد بالدمار الشامل، لا يشكل أساساً آمناً للاستقرار، لأنه يظل عرضة للتصعيد وسوء التقدير. وشدد على ضرورة إبقاء أنظمة التسلح تحت رقابة بشرية فعالة ومسؤولة، مع ضمان إمكانية تحديد المسؤولية في جميع مراحل اتخاذ القرار.
في هذا السياق، جدد الكرسي الرسولي دعوته إلى اعتماد اتفاق قانوني ملزم يضع حظراً واضحاً على أنظمة الأسلحة الفتاكة ذاتية التشغيل، وينظم تطوير الذكاء الاصطناعي واستخدامه، ويضمن المساءلة والحماية القوية للمدنيين وللبنى التحتية الضرورية لبقائهم. وأكد أن التقدم التكنولوجي ينبغي أن يخدم الإنسان والصالح العام، لا أن ينتقص من المسؤولية الأخلاقية المرتبطة بالقرارات التي تمس الحياة البشرية.
كما دعا رئيس الأساقفة القسيس إلى احترام الالتزامات الدولية القائمة، ولا سيما الالتزام بنزع السلاح النووي بموجب المادة السادسة من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، مجدِّداً دعمه لمعاهدة حظر الأسلحة النووية باعتبارها أداة مكملة لتنفيذ تلك الالتزامات.
لم يخل الخطاب من الإشارة إلى مخاطر الأسلحة التقليدية، لافتا إلى المعاناة التي تسببها الأسلحة المتفجرة في المناطق المأهولة، والألغام ومخلفات الحرب التي تواصل قتل المدنيين وإصابتهم بعد انتهاء الأعمال القتالية، فضلاً عن انتشار الأسلحة الصغيرة والخفيفة بصورة غير مشروعة، وما يترتب على ذلك من عنف واضطراب، ولا سيما في المجتمعات الهشة.
في خطابه الثاني، أمام اللجنة الثانية المعنية بالقضايا الاقتصادية والمالية، وضع مراقب الكرسي الرسولي القضاء على الفقر في صدارة التحديات العالمية، موضحاً أن الفقر لا يقتصر على نقص الموارد المادية، بل يشمل أيضاً حرمان الإنسان من الظروف التي تتيح له تحقيق إمكاناته وصون كرامته الأصيلة. وأكد أن القضاء على الفقر يجب أن يبقى في قلب الالتزام الدولي بتحقيق التنمية المستدامة.
وسلط القسيس الضوء على الجوع وسوء التغذية باعتبارهما من أشد نتائج الفقر تدميراً، لما لهما من آثار مباشرة على صحة ملايين الأشخاص وتعليمهم وسبل عيشهم، ولما يفرضانِه على الأسر من خيارات قاسية بين تلبية احتياجات الأطفال والاحتياجات الأساسية للوالدين. وأوضح أن معالجة الجوع لا تقتصر على زيادة الإنتاج، بل تستلزم إزالة العقبات التي تحول دون حصول الناس على غذاء كافٍ ومنخفض الكلفة، بما في ذلك النزاعات وتغير المناخ والاختلالات الاقتصادية وضعف البنى التحتية. كما دعا إلى تحسين أوضاع صغار المزارعين، وتمكينهم من الوصول إلى الأراضي والأسواق والحصول على أسعار عادلة مقابل عملهم.
في الختام شدد سيادته على ضرورة إعادة النظر في توزيع الموارد، محذراً من تحويل الأموال والتكنولوجيا المبتكرة من مكافحة الفقر والجوع إلى تصنيع الأسلحة والاتجار بها. ودعا الدول إلى ترجمة تعهداتها بشأن التنمية والأمن الغذائي إلى إرادة سياسية فعلية وتخصيص الموارد اللازمة للوصول إلى الأكثر احتياجاً.