الكرسي الرسولي يدعو إلى احترام كرامة الشعوب الأصلية وثقافاتها وبناء مستقبل قائم على الحوار والعدالة

دعا الكرسي الرسولي إلى تعزيز الحوار بين شعوب القارة الأميركية، واحترام كرامة الشعوب الأصلية وثقافاتها، والاستفادة من دروس التاريخ من أجل بناء مستقبل أكثر عدلاً وأخوة، يقوم على الاعتراف بكرامة كل إنسان وحماية الفئات الأكثر احتياجاً.
جاء ذلك على لسان المطران خوان أنطونيو كروز سيرانو، المراقب الدائم للكرسي الرسولي لدى منظمة الدول الأميركية، خلال الدورة الاستثنائية للمجلس الدائم للمنظمة، التي خُصصت لموضوع “لقاء عالمين”، في إشارة إلى اللقاء التاريخي بين أوروبا وشعوب القارة الأميركية.
أكد المطران سيرانو أن وصول الأوروبيين إلى الأراضي الأميركية فتح آفاقاً جديدة للمعرفة والتبادل الثقافي والإثراء المتبادل، لكنه رافق أيضاً معاناة وأعمال ظلم طالت الشعوب الأصلية، التي لم تُحترم كرامتها وثقافاتها على الدوام.
وشدد سيادته على أن الاعتراف بالجوانب الإيجابية والسلبية لهذا اللقاء التاريخي لا يعني البقاء أسرى الماضي، بل الاستفادة من دروسه لبناء مستقبل مختلف، تكون فيه العلاقات بين الشعوب أكثر إنسانية واحتراماً للتنوع الثقافي. في هذا السياق، استشهد المطران سيرانو بتأكيد البابا لاون الرابع عشر أهمية الحوار واللقاء، باعتبارهما وسيلتين للتعرف إلى طرق مختلفة لفهم العالم، وتقدير ما تحمله كل ثقافة من خصائص فريدة وأصيلة.
هذا ثم توقف المسؤول الفاتيكاني عند عذراء غوادالوبي، التي وصفها بأنها أحد أبرز الرموز التي تجسد لقاء العالمين الأوروبي والأميركي، مشيراً إلى اقتراب الذكرى الخمسمائة لظهوراتها. وأوضح أن صورتها لا تزال تشكل مصدراً للوحدة والتلاقي، وتحمل رسالة تتجاوز حدود الاختلافات الثقافية، لتشجع الشعوب على التقارب والتفاهم. واعتبر أن إحياء ذكرى هذا اللقاء التاريخي يشكل فرصة للتساؤل عن طبيعة العلاقات التي ينبغي تعزيزها اليوم بين شعوب القارة الأميركية، وعن السبل الكفيلة بتحويل الاختلافات إلى مصدر غنى متبادل، بدلاً من أن تكون سبباً للانقسام والصراع.
وأشار المطران سيرانو إلى أن العالم أصبح اليوم أكثر ترابطاً بفضل التطور التكنولوجي واتساع وسائل الاتصال، غير أن زيادة التواصل لا تؤدي بالضرورة إلى بناء علاقات إنسانية أعمق وأكثر متانة. ولفت إلى أهمية الرسالة العامة “الإنسانية الرائعة” للبابا لاون الرابع عشر، التي تطرح إمكان بناء مستقبل مشترك، تتحول فيه الثقافات المتنوعة إلى مصدر قوة، ويصبح الإصغاء والحوار أرضية مشتركة لتعزيز العدالة والأخوّة بين البشر. كما دعا إلى مواصلة العمل من أجل إقامة لقاء جديد بين شعوب الأميركيتين، يستند إلى الاعتراف بكرامة كل شخص، وإلى تحمّل المسؤولية في حماية الأكثر ضعفاً واحتياجاً.
في هذا الإطار، استحضر سيادته نماذج من الشخصيات الكنسية التي دافعت عن الإنسان، من بينها القديس بطرس كلافر، والدومينيكانيان بارتولومي دي لاس كاساس وفرانسيسكو دي فيتوريا، الذين ارتبطت أسماؤهم بالدفاع عن الشعوب الأصلية وحقوقها وكرامتها.
ختم المطران سيرانو مداخلته بالتأكيد أن اللقاء الحقيقي بين الشعوب لا يقتصر على التقارب الجغرافي أو إقامة العلاقات، بل يبدأ بالاعتراف بالآخر إنساناً يتمتع بكرامة أصيلة تستحق الاحترام والحماية والدفاع عنها.