حذر الكرسي الرسولي، في كلمة أمام الأمم المتحدة في نيويورك، من خطورة خطاب الكراهية والتحريض على الكراهية، مؤكداً أن الكلمات يمكن أن تساهم في إشعال فتيل العنف والاضطهاد، لكنها في المقابل قادرة أيضاً على أن تكون مدخلاً إلى السلام والحوار.
جاء التعبير عن هذا الموقف خلال المؤتمر العالمي حول تعزيز الحوار بين الأديان والثقافات والتسامح، ومكافحة التحريض على الكراهية، الذي عُقد في القصر الزجاجي بنيويورك في السابع عشر من الجاري، بمبادرة من المملكة المغربية، وبمشاركة مكتب الأمم المتحدة لمنع الإبادة الجماعية ومسؤولية الحماية، وتحالف الأمم المتحدة للحضارات. وألقى المداخلة المراقب الدائم الجديد للكرسي الرسولي لدى الأمم المتحدة، المطران كريستوف القسيس، الذي كان قد قدم يوم الأربعاء أوراق اعتماده إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.
شدد سيادته على أن مواجهة خطاب الكراهية تبدأ من الانتباه إلى الكلمات المستخدمة في الحياة العامة واليومية. ونقل في هذا السياق ما سبق أن أكده البابا لاون الرابع عشر في رسالته العامة “الإنسانية الرائعة” أي أن أول مساهمة يمكن تقديمها لبناء حضارة أكثر إنسانية تتمثل في الاهتمام بالكلمات، نظراً إلى القوة الكبيرة التي تمتلكها وتأثيرها في العلاقات بين الناس.
وقال الدبلوماسي الفاتيكاني إن الخطابات التي تستهدف أشخاصاً أو جماعات بسبب دينهم أو أصلهم العرقي أو جنسيتهم أو أي صفة أخرى، لا تؤدي فقط إلى تسميم النقاش العام، بل تعمق الانقسامات وتهدد أسس التعايش السلمي. وأكد أن كل إنسان يمتلك كرامة لا يمكن انتهاكها، وهي كرامة لا تستطيع أي أيديولوجيا أو خطاب كراهية أو تعبير عن الازدراء أن ينتقص منها. وانطلاقاً من ذلك، شدد على ضرورة رفض جميع أشكال التعصب والتمييز والتحريض على الكراهية، لأنها تضر بالمجتمع الإنساني وتقوّض الظروف الضرورية للعيش المشترك بسلام.
هذا ثم أوضح القسيس أن التحريض على الكراهية، سواء استهدف أفراد أو جماعات على أساس الدين أو العرق أو الجنسية أو غيرها من الخصائص، يتعارض مع مبدأ محبة الآخر، كما يؤدي إلى زيادة الانقسام، ويمكن أن يمهد، في كثير من الحالات، الطريق أمام العنف والاضطهاد.
وفي معرض حديثه عن مفهوم التسامح، أوضح مراقب الكرسي الرسولي أن التسامح الحقيقي لا يعني اللامبالاة، ولا يقوم على إلغاء الفوارق أو اعتبار جميع المواقف متساوية، بل يعني الاعتراف الفعلي بالمساواة في الكرامة بين جميع البشر، وبحق كل شخص في حرية الضمير.
وأشار القسيس إلى أن بناء هذا النوع من التسامح يتطلب جهداً متواصلاً يقوم على الحوار، وفهم الآخر، والتخلي عن الصور النمطية والأحكام المسبقة. وفي هذا الإطار، أكد أن الكرسي الرسولي يرى في الحوار بين الأديان والثقافات مساراً أساسياً لتجاوز الأحكام المسبقة وتعزيز التفاهم، وصولاً إلى بناء عالم أكثر قدرة على احتضان الجميع.
بعدها تطرق سيادته إلى العلاقة بين مكافحة خطاب الكراهية وحرية التعبير، مؤكداً أن حرية التعبير حق أساسي ينبغي حمايته. لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن ممارسة هذه الحرية ترتبط بمسؤوليات، وأن الخطاب الذي يتعمد التحريض على الكراهية أو العنف لا يمكنه أن يستند إلى حماية الحرية لتبرير نفسه.
واعتبر الدبلوماسي الفاتيكاني أن الخطاب المحرِّض على الكراهية لا يهدد الآخرين وحسب، بل يُضعف أيضاً البيئة الاجتماعية التي تحتاج إليها الحرية نفسها كي تزدهر.
وختم المطران القسيس كلمته بالتأكيد على أهمية تهدئة لغة الخطاب، معتبراً أن السيطرة على الكلمات واستخدامها بمسؤولية يمكن أن يشكلا خطوة أولى نحو نسج علاقات اجتماعية أكثر سلاماً، وترسيخ ثقافة تقوم على الحوار والتسامح واحترام الاختلافات.
الكرسي الرسولي يؤكد أن خطاب الكراهية يمهد الطريق أمام العنف والاضطهاد






